بقلم: علي حسن المفتاح
في كل مدينة تقريبًا، يتكرر المشهد ذاته. مبنى لوزارة، وآخر لهيئة، وثالث لإدارة حكومية، ورابع لجهة خدمية. مبانٍ متفرقة، لكل منها مواقفها، واستقبالها، وأمنها، وصيانتها، ومرافقها، بينما المواطن هو من ينتقل بينها لإنجاز معاملة واحدة.
هذا المشهد أصبح مألوفًا حتى لم نعد نتساءل: هل ما زال هذا النموذج هو الأكثر كفاءة؟
الحديث هنا ليس عن أهمية الجهات الحكومية أو أدوارها، فكل جهة تؤدي مسؤولياتها وفق اختصاصها، وإنما عن طريقة تنظيم الخدمات التي يحتاجها المواطن. فالمراجع لا يعنيه اسم الجهة بقدر ما يعنيه أن ينجز معاملته دون أن يقضي ساعات في التنقل بين المباني أو يعود في يوم آخر لاستكمال إجراء بدأه في مكان وانتهى به في مكان مختلف.
قد تبدأ معاملة بسيطة بزيارة جهة للحصول على مستند، ثم الانتقال إلى جهة ثانية للمصادقة، ثم إلى جهة ثالثة لاستكمال الإجراء. ليست المشكلة في الأنظمة ولا في الموظفين، وإنما في أن الخدمات المرتبطة بالمواطن ما زالت موزعة على مواقع متفرقة، رغم أن طبيعتها أصبحت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.
عدد من الدول اختارت معالجة هذه المشكلة بطريقة مختلفة. ففي سنغافورة جُمعت خدمات حكومية متعددة في مراكز موحدة تسهّل على المستفيد إنجاز احتياجاته في موقع واحد. وفي فرنسا تقدم مراكز **France Services** خدمات لعدة جهات حكومية من خلال نقطة خدمة واحدة، خصوصًا في المدن الصغيرة. كما طورت دول مثل كندا وأستراليا مراكز حكومية مشتركة تجمع خدمات عدد من الجهات، بهدف تبسيط الإجراءات وتقليل التنقل بين المكاتب.
هذه التجارب لا تعني أن هناك نموذجًا واحدًا يناسب جميع الدول، لكنها تؤكد فكرة مهمة: كلما اقتربت الجهات المرتبطة بخدمة المواطن من بعضها، أصبحت الخدمة أكثر سهولة وكفاءة.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يكون في كل محافظة **مجمع حكومي متكامل** يضم الجهات الأكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين اليومية؟
ليس المقصود جمع جميع الجهات الحكومية في مبنى واحد، فلكل جهة طبيعة عملها، وإنما تجميع الجهات التي تتقاطع خدماتها مع المواطن في موقع واحد، بحيث يجد المراجع تحت سقف واحد ما يحتاج إليه من خدمات، مع مرافق مشتركة، ومواقف موحدة، ومراكز استقبال وإرشاد، بما يختصر الوقت والجهد ويُحسن تجربة المستفيد.
ولا تقتصر الفائدة على المواطن وحده.
فوجود عشرات المباني الحكومية المتفرقة يعني أيضًا تكرارًا في تكاليف التشغيل؛ من الحراسة، والصيانة، والنظافة، والمرافق، ومواقف السيارات، والخدمات المساندة. أما المجمعات الحكومية المتكاملة، فمن شأنها أن تحقق كفاءة أعلى في إدارة هذه التكاليف، مع المحافظة على استقلال كل جهة في اختصاصها.
ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا عن المباني الحكومية الحالية؟
هذه المباني تمثل أصولًا حكومية ذات قيمة كبيرة، وكثير منها يقع في مواقع استراتيجية داخل المدن. ويمكن، بعد دراسة كل حالة على حدة، إعادة توظيف بعضها في مشاريع تعليمية، أو مراكز تدريب، أو حاضنات أعمال، أو مقرات للقطاع غير الربحي، أو استثمارات حكومية تحقق قيمة اقتصادية وتنموية، بدلاً من أن تبقى مباني متفرقة لا تستفيد من إمكاناتها بالشكل الأمثل.
لقد حققت المملكة إنجازات كبيرة في تطوير الخدمات الحكومية، وهو ما يجعل من الطبيعي أن نطرح أفكارًا جديدة حول المرحلة المقبلة. فالتطوير لا يقتصر على تحسين الإجراءات، بل يشمل أيضًا إعادة النظر في طريقة توزيع الجهات، واستثمار الأصول الحكومية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتقديم تجربة أفضل للمواطن.
ليست القضية بناء مبانٍ جديدة، ولا إغلاق مبانٍ قائمة، بل إعادة تنظيم ما نملكه بصورة أكثر كفاءة، بما يحقق مصلحة المواطن، ويعزز الاستفادة من الموارد العامة.
السؤال لم يعد: كم مبنى حكومي نملك؟
السؤال الأهم هو: هل يمكن أن نقدم الخدمة نفسها بكفاءة أعلى، وتكلفة أقل، ووقت أقصر؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما حان الوقت لأن نعيد رسم خريطة الدوائر الحكومية، من أجل الإنسان الذي خُلقت هذه الخدمات لتيسير حياته.



