د.عبدالله بن إبراهيم بن علي الطريقي
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك [ 1 – 2 ] .
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ، وآله وصحبه.
فقد الأحبة عزيز على النفس، ولكنّه واقع لا محالة .
كلٌّ ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
ويقول الآخر :
لا بد من فقد ومن فاقد هيهات ما في الناس من خالد
في يوم الثلاثاء ٢٩ / ١ / ١٤٤٨ هـ ، انتقلت إلى رحمة الله شقيقتي الكريمة “حصة بنت إبراهيم الطريقي”، بعد معاناة مع مرض ألم بها خلال العام الماضي كله، وإن كانت خلال الأشهر القليلة الماضية في حالة راكدة لاتشكو أوجاعاً ، ولكنها في حالة صمت قاهر لا تشعر معه بما حولها. ثم أسلمت روحها لبارئها. رحمها الله تعالى ورفع قدرها مع الأبرار.
عشتُ وإياها أيام الطفولة في بيت طيني صغير غربي العقدة من الزلفي، ثم انتقلنا إلى مزرعة نائية وعمري ثلاث سنوات، وعمرها خمس سنوات، حيث ولدت عام ١٣٦٨هـ.
فكانت نشأتنا الأولى رعاة للغنم، مع البهيمات، والشياه ، والمعزى، والخرفان الكبيرة ؛ التي تشبه الثيران ، والتي طُبعت على النطاح، والعدوانية، حتى ربما تسلّطت علينا ونحن في أرض خلاء، بعيدين عن أنظار الوالدين.
كما كنا نسهم مع الوالدين رحمهما الله في شتى أغراض المزرعة ، مثل: رياسة الماء (تصريفه)، وحصاد البرسيم ، والشامية ، والزرع ، وتحميله على الدابة (الحمار) أو لتعليف البهائم ، وتنقية الزروع من النباتات النشاز، هذا مع تجهيز فرش النوم في السطح، ورش الأرضية بالماء قبيل الغروب لتخفيف الحرارة.
وكم واجهتُ أنا وإياها من مخاطر السباع والكلاب والحيات والعقارب، ولكن الله هو الحافظ وهو الواقي.
وقد بقينا على هذا الوضع سبع سنين شداد ، حتى كتب الله لنا النجاة والمعافاة من تلك الحياة المرعبة .
فانتقلنا إلى البلدة (العقدة) عام ١٣٧٩ هـ ، فدخلنا في حياة أكثر هدوءاً واستقراراً. فالتحقتُ أنا بالمدرسة.
أما أختي فلم تكن مدارس للبنات قد أُحدثت بعد، ولكنها عاشت مع والدتها، أمنا الحنون منيرة بنت حمدان الباتل ، والتي كانت مدرسة متكاملة في التربية والتعليم والأخلاق والديانة ، فتأثرت بها كثيراً، ثم لم تلبث طويلاً حتى تزوجت من الأستاذ الكريم عبدالمحسن بن عبد الله الطريقي ، وكان يعمل معلماً بالمدرسة الأولى (القدس) ثم وكيلاً لها.
فانتقلت إلى عش الزوجية معززة مكرمة ، في بيت كان يعد من أكبر بيوت البلاد وأفخمها، وكان مجاوراً للمدرسة المشار إليها.
وكانت والدة زوجها (العصيمية ” لولوه بنت عبدالعزيز الخزعل العصيمي”) تعيش بينهم، ليس كامرأة عادية، بل كانت هي سيدة البيت ، حيث كانت تملك شخصية عصامية سنافية .
ورزقت أختي من زوجها ذرية طيبة مباركة تمثلت بأربعة بنين (طارق الأول، وخالد، وسامي، وطارق الثاني)، وست من البنات: هيفاء، وتهاني، وعالية، وعصماء، وأشواق، وأنهار.
ثم انتقلت الأسرة إلى الرياض، وعاشت فترة يسيرة مع أسرة أخي عبد المحسن، أعني عبد العزيز (أبا نزار).
ليستقل كل منهما فيما بعد ببيت منفرد، أحدهما (أبو نزار) في حي الملز، والثاني (أبو طارق) في حي العود.
ولما انتقلتُ للرياض لدراسة الجامعة عام ١٣٩١ هـ كنت أتعهدهما بالزيارة ، ولا سيما أختي ، حيث كنت أسكن في “غميتة” عزباً مع بعض الزملاء ، فأذهب مرتين في الأسبوع أو ثلاثاً إلى أختي في العود ، فأجد حسن الاستقبال والكرم من لدن أختي ومن زوجها أبي طارق.
أضف إلى ذلك أن أولادهم – ذكوراً وإناثاً – تعلقوا بأخوالهم، ولا سيما جدهم لأمهم إبراهيم بن علي الطريقي ، وجدتهم لأمهم أيضاً منيرة بنت حمدان الباتل، وتوثقت العلاقة بيننا، فكانوا يقضون أكثر إجازاتهم عند أخوالهم في الزلفي .
أما صفات هذه المرأة المكرمة وطباعها وخصالها فتتمثل بالآتي:
١- فقد ورثت من أبويها تحمل المصاعب والشدائد، ومواجهة الحياة بكل متاعبها ، بدءاً من تحمل مسؤولية القيام بحقوق الزوجية، وشؤون البيت المستقل، وتربية الأولاد. ثم تحمل الاغتراب في الرياض، ولا سيما قبل وجود وسائل الاتصال، وصعوبة السفر ومشقة الطريق بين الزلفي والرياض.
وفي عام ١٣٩٠ هـ ، رزئت بفقد ولدها البكر طارق (ذي الست سنوات)، حيث توفي فجأة بسبب تسمم في الأكل خارج المنزل.
فكانت فاجعة كبيرة عليها وعلى الأب أبي طارق، بل علينا جميعاً.
ولا ننسى معاناة الولادة لكل مولود لها، حيث كانت تضع عند والدتها، في أكثر حالات الولادة، وكانت أمي هي القابلة ، والأم أرحم بابنتها من كل مستشفى ، وإن كان راقياً.
وما زلت أتذكر شدة ما تلاقيه النساء عند الوضع ، ولا سيما حينما كانت المنازل صغيرة ومتواضعة قبل أكثر من خمسين عاماً، مع ندرة في وجود المستشفيات.
فكنت أرقب عن كثب ما تعانيه أختاي (أم صالح “الجوهرة بنت إبراهيم الطريقي”) و (أم طارق “حصة بنت إبراهيم الطريقي”) من شدة وآلام في حال الوضع ، إلا أن حنان الأم ورعايتها لبناتها كانت تخفف تلك الآلام كثيراً …
رحم الله تلك الأم ورضي عنها، وعن بناتها.
٢- وتعلمتْ من والديها ومن بعلها ما ينبغي للضيف ، أياً كان، من تقدير ، واحترام ، وحفاوة، وإكرام ، سواء كان ضيفاً عابراً، أو مقيماً لأيام ، حيث كان ضيوف أبي طارق من شتى الأنواع، ولا سيما القادم من الكويت من أقاربه ، وهم كثيرون.
وكان من تقاليد الناس الجميلة في الثمانينات والتسعينات الهجرية ، أن ابن السبيل ولا سيما من الأقارب يأوي إلى قريبه ويقيم عنده الأيام المتواصلة ، حيث لم يكن ثمة فنادق أو شقق مفروشة أو نحوها.
فكانت أم طارق تقوم بحقوق الضيوف كاملة، وكانوا يجدون منها وفيها أريحية وندى سابغين، كما يجدون ارتياحاً وسعة بال مهما طالت إقامتهم، ومهما يكن عددهم.
٣- وطبعت على إكرام الجار والإحسان إليه ، وتعاهده باستمرار بالسؤال والهدايا وغيرهما. وكان ما لاحظناه وقت العزاء ، كثرة الجيران المعزين من ذكور وإناث ، وحزنهم على فراقها، سواء كانوا جيراناً قدامى أو محدثين، من كل الأحياء والحارات ، التي تجاوروا فيها ، في حي العود، وحي الروضة، وحي الأندلس .
٤- ومما يحمد لها، أنها التحقت بدار القرآن الكريم النسائية، على رغم أميتها، وجاهدت في محاولة تعلم القراءة والكتابة وحفظ ما تيسر من القرآن العظيم ، واستمرت في ذلك عقوداً من الزمن، حتى أدركت ما كانت تتمنى. ومن خلال هذه الدار تعرّفت على نساء فاضلات كنّ على تواصل معها حتى فارقت الحياة.
5- ومن خصالها الجميلة نقاء السريرة ، وسلامة القلب من الأحقاد والضغائن وحب الخير للغير، والنفرة من القيل والقال والتعرض لأعراض الناس وتتبع عوراتهم وزلاتهم.
6- ويبدو أنها اكتسبت من والدتها حب الصدقات والإحسان إلى الضعفاء، ورحمة الأطفال وتقديم الهدايا لهم ، ولها في هذا باع طويل وسجل حافل ، يشهد به أولادها ومعارفها، ولدى كل واحد منهم حكايات وشواهد في هذا المجال.
7- وقد ورث منها أولادها خصالاً جميلة، يأتي في مقدمتها التخلق بخلق الجد والعزم في مواجهة الحياة ، وفي كل شؤونها الدينية والدنيوية ، وفي العلاقات مع الآخرين ، وعدم الخلود إلى الخمول والكسل والعجز.
ويبدو أنها متوافقة مع زوجها في هذه الخصلة، مما زاد في علو الهمم لدى جميع الأفراد. وقد عرفتها امرأة مبادرة إلى القيام بشؤونها ، لا تنتظر أحداً ينوب عنها ، فضلاً عن أن تتكل عليه.
8- هذا مع ديانة وقنوت وصلاح ومحبة للخير، وحفظ للغيب بما حفظ الله، كما هو الطابع العام في نساء ذلك الجيل.
وختاماً.. فقد عاشت أختي حياة طيبة كريمة طيلة عمرها، وفي السنتين الأخيرتين بدأ يعتريها النسيان، مع بعض الأمراض المزامنة، ودخلت المستشفى أو راجعته عدة مرات ، حتى جاء أجلها المحتوم فقبضت روحها الطاهرة فجر يوم الثلاثاء ٢٩ / ١ / ١٤٤٨ هـ، وجرى تغسيلها والصلاة عليها في جامع الراجحي في حي الجزيرة بالرياض ، بعد صلاة العصر من ذلك اليوم، ودفنت في مقبرة النسيم. رحمها الله
الأخت ، ما الأخت إلا طيب قـلب أب
ودفء أم جــرى في الـروح تحــنانا
عشنا معاً تحت سقف البيت من صغر
ومسمع الأنس كم أصغى لنجوانا
حتى كبرنا ولم نشعر على عجل
وصار كالحلم في الأزمان لقيانا
قــد فـرقــتـنــا يد الأيــام ليـــس لـنــا
سوى حنين مع التذكار أبــكانا
تلك لمحة سريعة عن هذه المرأة النبيلة (حصة الطريقي رحمها الله ، وأحسن عزاء ذويها ومحبيها) . فوداعاً أختي
———————–
د.عبدالله الطريقي



