يَأْتِ بِهَا اللَّهُ …!!

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

 

هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام بابٍ مغلق، فيقسم أن العالم كله قد أغلق أبوابه، ثم تمضي الأيام لتصفعه الحقيقة بلطفٍ مؤلم: لم تكن المشكلة في الأبواب، بل في قصر نظره. فنحن نحصي الأسباب، والله يخلق الأسباب، نحن نرى المشهد من ثقب الإبرة، والله سبحانه يدبر الأمر كله بعلمه وحكمته ولطفه. وما أكثر الذين أعلنوا هزيمة الحياة، فإذا بلطف الله يأتيهم من طريقٍ لم يخطر لهم على بال، فيكتشفون متأخرين أن اليأس لم يكن إلا سوء تقدير بشري، وأن الرجاء بالله كان هو الحقيقة الوحيدة التي لم تتغير قط. لذلك كانت الآية العظيمة: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ليست وعدًا عابرًا، بل إعلانًا إلهيًا يهدم غرور الحسابات البشرية، ويقيم مكانه يقينًا لا يتزعزع بأن الله وحده هو الذي تأتي منه الفتوح، وتنكشف به الكروب، وتُرد به الضالة، ويُساق به الرزق، وتطمئن به القلوب. إنها آية تُعيد ترتيب القلب قبل أن تُعيد ترتيب الحياة، وتعلّم المؤمن أن يثق بالله أكثر مما يثق في كل ما تراه عيناه.

ما أعجب الإنسان… يظن أن الأبواب إذا أغلقت انتهت الحكاية، وأن الرزق إذا تأخر فقد الطريق، وأن الدعاء إذا طال انتظاره فقد أثره، بينما الحقيقة التي تتكرر منذ خلق الله آدم إلى يومنا هذا، أن الله سبحانه وتعالى لا ينسى أحدًا، ولا يغيب عنه أحد، ولا يضيع عنده رجاء صادق، ولا تنهزم أمام قدرته الأسباب.
تتردد في القلب الآية العظيمة: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، فتختصر رحلة العمر كلها. ليست مجرد كلمات تُتلى، بل دستور طمأنينة، ورسالة سماوية تقول لكل قلب أثقلته الحياة: إن ما تبحث عنه ليس بعيدًا عن علم الله، ولا خارجًا عن لطفه، ولا مستحيلًا على قدرته.
نحن – معشر البشر – نملك هواية غريبة؛ نعشق استعجال النهاية. إذا تأخر الرزق قلنا: انتهى الأمر. وإذا تأخر الشفاء ظننا أن الألم صار وطنًا. وإذا ابتعد شخص أحببناه حسبنا أن كل الطرق قد انقطعت. ثم تأتي الأيام لتضحك في وجوهنا ساخرة من قصر نظرنا، وكأنها تقول: لو رأيتم ما يدبره الله لكم لاستحييتم من خوفكم كله.
ولعل السخرية الأجمل أن الإنسان يحاول أحيانًا أن يكون مديرًا للكون! يريد أن يحدد الموعد، والطريقة، والنتيجة، ثم إذا لم تجرِ الحياة وفق جدوله الزمني أعلن حالة الطوارئ في قلبه، وكأن مشيئة الله ينبغي أن تنتظر موافقته. وما أكثر ما يرهقنا هذا الوهم، بينما الراحة كلها في التسليم لله وحده، والثقة بحكمته، واليقين بأن لطفه يعمل بصمت، حتى إذا جاءت النعمة قال الناس: من أين جاءت؟ ويقول المؤمن: جاءت من الله… وهذا يكفيني.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. إنها ليست معادلة اقتصادية، بل وعد من رب العالمين، ووعد الله حق. وقد قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا». كلمات لو استقرت في القلب لتحول القلق إلى دعاء، والخوف إلى يقين، والانتظار إلى عبادة.
ويُروى أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، في إحدى رحلاته، وصل إلى مدينة لا يعرف فيها أحدًا، فلم يُؤذن له بالمبيت في المسجد، فخرج يحمل متاعه، فرآه خباز بسيط فأكرمه وآواه في مخبزه. وخلال الليل كان الإمام يسمع الرجل يكثر من الاستغفار بلا انقطاع. فسأله: هل رأيت أثرًا لهذا الاستغفار؟ فقال الخباز: والله ما دعوت الله دعوة إلا استجابها لي، إلا دعوة واحدة، وهي أن أرى الإمام أحمد بن حنبل. فابتسم الإمام وقال: أنا أحمد بن حنبل، وقد ساقني الله إليك سوقًا. هكذا يعمل لطف الله؛ لا بضجيج، ولا بإعلان، بل بتدبير يعجز العقل عن توقعه.
وليست هذا حكاية من الماضي فحسب. ففي زمننا المعاصر كم من شاب فقد عمله، وظن أن الحياة أغلقت أبوابها، ثم ساق الله له وظيفة لم يكن يحلم بها. وكم من مريض طال ألمه، ثم جعل الله في تأخر شفائه خيرًا لم يكن يراه. وكم من إنسان تأخر عنه رزق أو زواج أو نجاح، فلما جاءه بعد حين أدرك أن التوقيت الذي اختاره الله كان أجمل من كل أمنياته.
قال الفيلسوف سقراط: “سر السعادة ليس في البحث عن المزيد، بل في تنمية القدرة على الاستمتاع بما لديك.” أما ماركوس أوريليوس فكان يقول: “تقبّل ما يأتيك من الله، فإنه أصلح لما أنت فيه.” ومع اختلاف الأزمنة والثقافات، يبقى المؤمن يزيد على هذه المعاني يقينًا أعظم؛ فهو لا يثق في الفكرة المجردة، وإنما يثق بالله سبحانه، الحكيم الرحيم، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، المنزّه عن كل نقص، الكامل في علمه، والكامل في حكمته، والكامل في رحمته.
وما أروع أن يعيش الإنسان وهو يعلم أن الله وحده المدبر، وأن خزائنه لا تنفد، وأن كرمه لا تحده حسابات البشر. فكم من باب أغلقه الله رحمة، وكم من أمنية صرفها عن عبده حماية، وكم من تأخير كان عين العطاء، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، ويحكم ونحن نعجل، ويرحم ونحن نغفل.
إن أعظم ما يربك الإنسان اليوم ليس قلة المال، ولا كثرة المنافسين، بل ضعف اليقين. أصبح بعض الناس يقيس المستقبل بتقارير الأسواق، وتحليلات المنصات، وتوقعات المتشائمين، وينسى أن فوق كل ذلك ربًا يقول للشيء كن فيكون. فإذا أراد الله أمرًا هيأ له أسبابه، وإذا لطف بعبدٍ جعل في أشد اللحظات ظلمة نافذة نور لا يراها إلا من أحسن الظن بربه.
ولذلك، لا تجعل قلبك أسير اللحظة، ولا تحاكم رحمة الله بعجلة الأيام، ولا تزن عطاياه بميزان البشر. ارفع يديك إليه وحده، ووحّده حق توحيده، ونزّهه عن كل نقص، وأحسن الظن به، وأكثر من الدعاء والاستغفار، فإن القلوب إذا امتلأت بالله صغرت في أعينها المخاوف كلها.
وفي نهاية الرحلة، لن يتذكر الإنسان كم بابًا أُغلق في وجهه، بل سيتذكر الباب الذي فتحه الله له في اللحظة التي ظن فيها أن كل شيء قد انتهى. عندها سيدرك أن الآية لم تكن تُقرأ باللسان فقط، بل كانت تُكتب على تفاصيل عمره كله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
ولأن الله هو اللطيف الخبير، فليس على المؤمن إلا أن يطرق بابه، ويصدق في رجائه، ويوقن أن الخير كله بيده سبحانه، وأن ما عند الله لا يأتي إلا من الله، ولا يُطلب إلا من الله، ولا يُرجى على الحقيقة إلا الله.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام
479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top