✒️- راضي غربي العنزي
كاتب رأي سعودي
“رحمةُ الله تسبق خطواتِ التائهين، وكلُّ بابٍ يُغلِقه الإنسان على نفسه، يترك الله إلى جواره بابًا آخر اسمه: الهداية.”
هناك كلمات لا تموت، لأنها لم تُقَل لتُسمع، بل قيلت لتبقى. ومن أعظم تلك الكلمات ما خرج من قلب نبي الله نوح عليه السلام وهو يرى الماء يعلو، والنجاة تقترب، والهلاك يفتح ذراعيه لمن أعرض، فقال لابنه في أوج الأبوة وأصدق الرحمة: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
لم يكن ذلك نداء نبي فحسب، بل نداء أبٍ يرى قلبه يغرق قبل أن يرى ابنه يغرق. لم يبدأ باللوم، ولم يفتح دفاتر الأخطاء، ولم يقل: لقد نصحتك كثيرًا. قال كلمة تختصر الدنيا كلها: يا بني. كأن الأبوة في لحظة الخطر تنسى كل شيء إلا الحب.
ولعل أعجب ما في الإنسان أنه قد يرفض اليد التي تمتد لإنقاذه، ثم يشتكي بعد ذلك من الغرق. وهذه ليست قصة نوح وحده، بل قصة تتكرر كل يوم. كم من أب يقول لابنه: اقترب من الله، فيجيبه الابن بأن الدنيا تغيّرت! وكم من أم تسهر على دعواتها بينما يسهر ولدها على شاشة هاتف يبتلع عمره، ثم يتساءل الجميع: من سرق أبناءنا؟
وليس الذي يغرّق الناس اليوم ماءً، بل أفكار، وشهوات، وضجيج، ووهم اسمه: “أنا أعرف أكثر.” صار بعض الشباب يظن أن محرك البحث أعلم من والده، وأن المؤثر في هاتفه أصدق من أمه، وأن الشهرة دليل حكمة، بينما الحقيقة أن الضوضاء لا تصنع بصيرة.
ولذلك جاء القرآن يقرر قاعدة النجاة بقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فالاعتصام بالله ليس شعارًا يرفع، بل حياة تُعاش، وثقة لا تهتز، ويقين بأن الله وحده هو الهادي والحافظ واللطيف بعباده، لا يُعبد بحق سواه، ولا يُرجى على الحقيقة غيره، ولا يُتوكل إلا عليه.
وقد قال رسول الله ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.” فكأن الحديث يحمّل الآباء والأمهات مسؤولية النداء، لا مسؤولية النتائج. فالهداية بيد الله وحده، أما البلاغ والرحمة والصبر فواجب المؤمن.
ويُروى أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يبكي إذا رأى أحد أبنائه يضعف في عبادته، لا خوفًا على اسمه، ولا على ملكه، وإنما خوفًا عليه من أن يخسر قربه من الله. وكان يقول بمعنى حاله: إن صلاح الأبناء هو الثروة التي لا يفلس صاحبها. فلم يكن يرى التربية أوامر عسكرية، بل قدوة ورحمة ودعاءً طويلًا في جوف الليل.
واليوم، للأسف، انقلبت الموازين عند كثيرين. أبٌ يعرف أحدث أنواع السيارات، لكنه لا يعرف آخر مرة جلس فيها مع ابنه بلا هاتف. وأم تحفظ مواعيد المسلسلات، لكنها لا تحفظ متى آخر مرة احتضنت ابنتها وهي تبكي. ثم إذا كبر الأولاد واستبدلوا دفء البيوت ببرودة الشاشات، وقف الجميع مذهولًا يسأل: ماذا حدث؟
حدث أننا تركنا كلمة “يا بني”، واستبدلناها برسالة قصيرة، أو تحويل مالي، أو جهاز إلكتروني جديد. وكأن الحب أصبح يُقاس بعدد الهدايا لا بعدد اللحظات.
قال الحكيم الصيني كونفوشيوس: “من أراد أن يصلح العالم، فليصلح بيته أولًا.” وقال سقراط: “اعرف نفسك.” غير أن المؤمن يزيد على ذلك فيقول: اعرف ربك، تعرف نفسك، ويستقيم طريقك. وقال ماركوس أوريليوس: “حياة الإنسان هي نتاج أفكاره.” ونحن نقول: بل أجمل الأفكار ما قاد إلى توحيد الله، وتعظيمه، والثقة برحمته، والاستقامة على أمره، فهناك تبدأ الحياة الحقيقية.
وفي زماننا قصة تبعث التفاؤل. كان شاب قد انجرف سنوات خلف رفقة السوء، حتى ضاقت به الحياة، وأرهق والديه بالحزن. لم يملّ والده من الدعاء له، ولم يغلق الباب في وجهه يومًا. كان كلما عاد الابن متعبًا قال له بهدوء: “بيتنا يسعك، وربك أوسع رحمة.” وبعد سنوات عاد الشاب إلى طريق الاستقامة، وأصبح متطوعًا في رعاية الشباب، وكان يقول: “لم ينقذني كثرة النصائح، بل أن أبي لم يتوقف عن مناداتي بعبارة واحدة: يا بني.” وهكذا تصنع الرحمة ما تعجز عنه القسوة.
إن أعظم ما يملكه الإنسان ليس أن ينتصر في جدال، بل أن يربح قلبًا. ونوح عليه السلام لم يكن يناقش ابنه لينتصر عليه، بل كان يناشده لينجو. شتان بين من يريد أن يغلبك، ومن يريد أن ينقذك.
والساخر حقًا أن كثيرًا من الناس يضعون أحزمة الأمان في سياراتهم، ويؤمنون بآخر تحديثات الهواتف، ويهتمون بكلمات المرور أكثر من اهتمامهم بكلمات النجاة. يخشون أن تُسرق حساباتهم، ولا يخشون أن تُسرق أعمارهم. يحدّثون تطبيقاتهم كل أسبوع، لكن قلوبهم لم تتلقَّ تحديثًا بالإيمان منذ زمن بعيد.
إن الله سبحانه هو الرحمن الرحيم، الحكيم العليم، اللطيف بعباده، لا يظلم مثقال ذرة، ولا يغلق باب التوبة في وجه من قصده صادقًا. وكلما قرأنا نداء نوح عليه السلام أدركنا أن الله أراد أن يخلّد هذا المشهد؛ ليقول لكل أب: لا تيأس من ولدك. ولكل ابن: لا تستخف بقلب أبيك وأمك. ولكل إنسان: إن طريق النجاة يبدأ بخطوة صادقة إلى الله.
فإذا سمعت في حياتك من يقول لك: “يا بني… اركب معنا”، فلا تنظر إلى السفينة، بل انظر إلى القلب الذي يناديك. فرب كلمة خرجت من فم محب، كانت بعد رحمة الله سببًا في إنقاذ عمر كامل.
ولعل أجمل ما نختم به أن النجاة ليست لمن كان الأقوى، ولا للأذكى، ولا للأكثر ضجيجًا، وإنما لمن أخلص لله قلبه، وأحسن الظن بربه، واستجاب لنداء الحق قبل أن يتحول النداء إلى ذكرى. فطوبى لمن جعل بينه وبين الله عهدًا لا ينقض، وأيقن أن رحمته سبحانه أوسع من الذنوب، وأن لطفه أقرب إلى عباده من كل خوف، وأن من سار إليه صادقًا، كفاه، وهداه، وحفظه، وأكرمه.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام
رقم 479438



