لا تكسر قلبًا…!!

 

✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

 

ليس كل مهذبٍ ضعيفًا، ولا كل صامتٍ عاجزًا، ولا كل لطيفٍ ساذجًا. فهناك أناسٌ يراجعون الكلمة في قلوبهم عشرات المرات قبل أن تنطق بها ألسنتهم، لا خوفًا من الناس، بل تعظيمًا لله، وحرصًا على ألا يتركوا في قلب أحدٍ خدشًا لا يراه إلا الله. أولئك لا يعيشون الحياة بألسنةٍ حادة، بل بضمائر يقظة، يعرفون أن الابتسامة قد تكون صدقة، وأن الاعتذار رفعة، وأن التغاضي عن الزلات قوة، وأن الذوق ليس ثوبًا فاخرًا ولا لقبًا كبيرًا، وإنما قلبٌ يشعر بالآخرين قبل أن يتحدث إليهم. وفي زمنٍ ازدحمت فيه الكلمات الجارحة حتى أصبحت عادةً عند بعض الناس، بقي اللطف عملةً نادرة، لا يحملها إلا من امتلأت نفسه إيمانًا، وأدبًا، ورحمةً بعباد الله.
ليس أصعب على الإنسان من كسر العظام، فالعظام يجبرها الطبيب، أما القلوب فلا يجبرها إلا الله سبحانه. ولذلك كان أعظم الناس إيمانًا أكثرهم رفقًا، لأنهم يعلمون أن الله جل جلاله مطلع على السرائر، يسمع الهمسة قبل أن تصبح كلمة، ويعلم أثر العبارة قبل أن تستقر في قلب صاحبها. فما قيمة أن تنتصر في جدالٍ وتخسر إنسانًا؟ وما جدوى كلمةٍ تكسب بها لحظةً من الغضب ثم تحمل وزرها أعوامًا من الندم؟
قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ولم يقل قولوا لهم ما يستحقون، لأن المؤمن لا يقيس أخلاقه بأخلاق الآخرين، وإنما يقيسها بما أمر الله به. وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فالمؤمن يبحث دائمًا عن “الأحسن”، لأن الله هو المحسن إلى عباده، وهو سبحانه يحب الإحسان في الأقوال كما يحبه في الأعمال.
ويقول النبي ﷺ: «الكلمة الطيبة صدقة». تأمل هذا الحديث العظيم؛ جعل الابتسامة صدقة، والكلمة صدقة، وإماطة الأذى صدقة، لأن الإسلام دين يبني الإنسان قبل أن يبني العمران. ورب كلمةٍ لطيفة أنقذت نفسًا من اليأس، ورب عبارةٍ قاسية دفعت إنسانًا إلى عزلةٍ طويلة لا يعلم بها إلا الله.
ويروى عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان إذا غضب من أحدٍ أرجأ محاسبته حتى يهدأ، ثم يقول: “أكره أن أعاقب الناس وأنا غضبان.” يا لها من نفسٍ عظيمة! كان يخشى أن يختلط الحق بالغضب، وأن تنزلق منه كلمة لا ترضي الله. هكذا كانت أخلاق من عرفوا الله حق المعرفة؛ كانوا يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا غيرهم.
وفي زماننا، تحكي إحدى المعلمات أنها لاحظت طفلًا منطويًا لا يكاد يرفع رأسه، وكان الجميع يصفه بالفاشل. اقتربت منه وقالت: “أنا أرى فيك شيئًا جميلًا، وستنجح بإذن الله.” لم تكن تعلم أن تلك الكلمات ستصبح نقطة التحول في حياته، حتى أصبح بعد سنوات من أوائل دفعته. كلمة واحدة صنعت مستقبلًا، لأن الكلمة قد تكون بابًا من أبواب الرحمة إذا خرجت من قلبٍ رحيم.
والساخر في المشهد أن بعض الناس يدفع آلاف الريالات ليظهر أنيقًا، ثم يبخل بكلمة طيبة لا تكلفه شيئًا. يشتري أفخم العطور، بينما تفوح من لسانه رائحة السخرية والاستهزاء. يلمع حذاءه كل صباح، لكنه يترك قلبه يصدأ بالكبر والقسوة. ولو علم أن الناس ينسون شكل ثوبه، ولا ينسون أثر كلماته، لاشتغل بتهذيب لسانه أكثر من انشغاله بمرآته.
قال سقراط: “تكلم حتى أراك”، لأن الإنسان لا يُعرف بملامحه، بل بما يخرج من فمه. وقال كونفوشيوس: “الكلمات الرقيقة تخلق الثقة، والأفعال الطيبة تخلق المحبة.” أما ليو تولستوي فقال: “اللطف لغة يستطيع الأصم أن يسمعها، والأعمى أن يراها.” وكل ذلك يلتقي مع أعظم مدرسة للأخلاق، مدرسة محمد ﷺ الذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
إن الذوق ليس مالًا، ولا منصبًا، ولا شهادةً تُعلَّق على الجدار، بل هو أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تعتذر، ومتى تنسحب حتى لا تؤذي أحدًا. وأن تضع حدودًا تحفظ بها كرامتك وكرامة الآخرين، فلا تتطفل، ولا تتجاوز، ولا تعبث بمشاعر الناس تحت اسم المزاح، فكم من ضحكةٍ كانت سببًا في بكاء قلب، وكم من مزحةٍ هدمت علاقةً لم تستطع السنون إصلاحها.
إن رقة القلب ليست ضعفًا كما يتوهم البعض، بل هي قوةٌ يهبها الله لمن زكّى نفسه بالإيمان، وعلم أن القوة الحقيقية ليست في أن ترد الإساءة بمثلها، وإنما في أن تكظم غيظك ابتغاء وجه الله. فمن استطاع أن يمنع كلمةً تؤذي، فقد انتصر على نفسه، ومن انتصر على نفسه فقد بلغ منزلةً عالية عند ربه.
وقبل أن تغادر مجلسًا، أو تغلق هاتفك، أو ترسل رسالة، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا: هل ستبقى كلمتي هذه وجعًا في قلب أحد؟ فإن كان الجواب نعم، فامحها، فإن الله يحب المحسنين، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. واعلم أن ألطف الناس ليس أكثرهم كلامًا، بل أكثرهم رحمةً، وأنقى الناس ليس من لم يخطئ، بل من سارع إلى الاعتذار إذا أخطأ.
اللهم يا رحمن يا رحيم، يا واسع الفضل والإحسان، طهّر قلوبنا من القسوة، وألسنتنا من الزلل، واجعلنا ممن إذا حضروا نشروا الطمأنينة، وإذا تكلموا أحيوا الأمل، وإذا رحلوا بقي أثرهم دعاءً ومحبةً في قلوب الناس، واجعل خير أعمالنا ما كان خالصًا لوجهك الكريم، إنك أنت البر الرحيم.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام: 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top