*الدكتور أبو ركان* : لأن المشكلة يا أم فهد ليست في وجود أوميجا-6، فهي من العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم. المشكلة أن نمط حياتنا الغذائي الحديث جعلنا نتناول كميات كبيرة جدًا منها دون ان نعلم، مقابل كميات قليلة من أوميجا-3، وهذا الخلل قد يساهم في زيادة الالتهابات ورفع مخاطر كثير من الأمراض المزمنة المنتشرة حاليًا.
*أوميجا-3 وأوميجا-6.. التوازن المفقود وراء كثير من أمراض العصر*
في داخل جسمك تدور يوميًا آلاف العمليات الحيوية التي تحافظ على صحة القلب والدماغ والمناعة والخلايا. وبين العناصر التي تؤدي دورًا محوريًا في هذه العمليات أحماض أوميجا-3 وأوميجا-6 الدهنية، وهما من المغذيات الأساسية التي لا يستطيع الجسم إنتاجها بنفسه ويجب الحصول عليها من الغذاء.
ورغم أهمية النوعين معًا، الا أن السر الحقيقي ليس في استهلاك أحدهما فقط، بل في الحفاظ على التوازن بينهما. فعندما يختل هذا التوازن تبدأ مشكلات صحية قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات.
*دهون أساسية لا غنى عنها*
تُعد أحماض أوميجا-3 من الدهون المفيدة التي تدعم صحة القلب والأوعية الدموية، وتساعد في تنظيم الالتهابات، وتعزز وظائف الدماغ وصحة العينين.
أما أحماض أوميجا-6 فهي ضرورية أيضًا لنمو الخلايا، والمحافظة على صحة الجلد والشعر، ودعم الجهاز المناعي والعديد من الوظائف الحيوية الأخرى.
لذلك فالجسم يحتاج إلى النوعين معًا، ولكن بنسب متوازنة.
*أين بدأ الخلل؟*
في الماضي كان الإنسان يحصل على أوميجا-3 وأوميجا-6 من مصادر غذائية طبيعية ومتنوعة، وكانت الكميات متقاربة نسبيًا بما يحافظ على التوازن الذي يحتاجه الجسم.
أما اليوم فقد تغيرت أنماط الغذاء بصورة كبيرة. فالوجبات السريعة، والأطعمة المصنعة، والمقليات، والمخبوزات التجارية، والزيوت النباتية المكررة المستخدمة بكثرة في الأغذية الجاهزة، أصبحت جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي للكثير من الأسر.
ومعظم هذه المنتجات غنية بأحماض أوميجا-6، بينما انخفض في المقابل استهلاك الأسماك الدهنية والمصادر الطبيعية الغنية بأوميجا-3 مثل السردين والماكريل والسلمون والجوز وبذور الكتان والشيا.
ونتيجة لذلك ارتفع استهلاك أوميجا-6 بشكل كبير، مقابل انخفاض أوميجا-3، ما أدى إلى اختلال واضح في التوازن الغذائي الذي يحتاجه الجسم للعمل بكفاءة.
*لماذا يُعد هذا الاختلال مقلقًا؟*
عندما ترتفع أوميجا-6 بشكل كبير مقارنة بأوميجا-3، يصبح الجسم أكثر عرضة لحالة تعرف بـالالتهاب المزمن منخفض الدرجة، وهي حالة صامتة المرتبطة بالعديد من الأمراض المزمنة التي أصبحت شائعة في العصر الحديث وهذا الخلل الغذائي قد يكون أحد العوامل المساهمة في ارتفاع معدلات:
• أمراض القلب والشرايين.
• السكري من النوع الثاني.
• السمنة ومتلازمة التمثيل الغذائي.
• ارتفاع ضغط الدم.
• بعض الأمراض المناعية والالتهابية المزمنة.
• عدد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
ولا يعني ذلك أن أوميجا-6 ضارة، وإنما أن الإفراط فيها مع نقص أوميجا-3 يفقد الجسم التوازن الذي صُممت عليه وظائفه الحيوية.
*ما النسبة الصحية المطلوبة؟*
تشير التوصيات الغذائية العالمية إلى أهمية الحفاظ على نسبة متوازنة بين أوميجا-3 وأوميجا-6، إلا أن الأنظمة الغذائية الحديثة في كثير من الدول أصبحت تميل بشكل كبير نحو أوميجا-6، وهو ما دفع المختصين إلى الدعوة للعودة إلى نمط غذائي أكثر توازنًا يعتمد على الغذاء الطبيعي والمتنوع.
*كيف تستعيد التوازن؟*
لا يحتاج الأمر إلى أنظمة غذائية معقدة، بل إلى بعض التعديلات البسيطة، ومنها:
• تناول الأسماك الدهنية مرتين أسبوعيًا على الأقل.
• زيادة استهلاك الجوز وبذور الكتان والشيا.
• التقليل من الوجبات السريعة والأطعمة فائقة التصنيع.
• ترشيد استخدام الزيوت النباتية المكررة.
• الاعتماد على زيوت ذات جودة عالية مثل زيت الزيتون.
• تنويع مصادر الغذاء والابتعاد عن النمط الغذائي أحادي المصدر.
•
*الخلاصة*
ربما لا يفكر كثيرون في أوميجا-3 وأوميجا-6 أثناء تناول وجباتهم اليومية، لكن التوازن بينهما قد يكون أحد أسرار الصحة الجيدة والوقاية من الأمراض المزمنة.
فالعادات الغذائية الحديثة أدت إلى ارتفاع استهلاك أوميجا-6 بشكل غير مسبوق، بالتزامن مع انخفاض مصادر أوميجا-3، ما تسبب في خلل غذائي يعد أحد العوامل المساعدة على انتشار أمراض العصر. ولذلك فإن العودة إلى الغذاء الطبيعي المتوازن، والإكثار من مصادر أوميجا-3، والحد من الإفراط في الأغذية المصنعة، قد تكون خطوات بسيطة ذات أثر كبير على صحة الفرد والأسرة والمجتمع.
*م. ياسين حمدي*
خبير وقاضٍ دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الإسكندرية



