بقلم: علي حسن المفتاح
كلما تراجع الحديث عن ثقة الناس بالإعلام، اتجهت أصابع الاتهام إلى المنصات الرقمية، أو إلى وسائل التواصل الاجتماعي، أو إلى الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه التفسيرات، على أهميتها، لا تبدو كافية للإجابة عن سؤال أكبر: من الذي غيّر ملامح الصحافة؟
فالصحافة، في جوهرها، لا تتحدد بنوع الورق الذي تُطبع عليه، ولا بالشاشة التي تُعرض من خلالها، وإنما بالمنهج الذي تُدار به، وبالقيم التي تحكم من يكتبها. لذلك لم تكن التكنولوجيا هي التي أعادت تشكيل المهنة، بل التغييرات التي طرأت على بعض الممارسات المهنية، وعلى العلاقة بين الكاتب والخبر، وبين الصحفي ومصادره، وبين الإعلام ورسالة الخدمة العامة.
في تجارب عديدة حول العالم العربي، أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل مما كان عليه قبل سنوات، لكن المحافظة على الاستقلال المهني أصبحت أكثر تعقيدًا. فالصحفي اليوم يعمل في بيئة تتداخل فيها المصالح، وتتسارع فيها الأحداث، وتزداد فيها الضغوط المهنية والاقتصادية، وهو ما يجعل الحفاظ على المسافة المهنية تحديًا حقيقيًا لا يمكن تجاهله.
ولا يمكن إنكار أن الإعلام العربي ما زال يضم مؤسسات راسخة وأقلامًا مهنية تحترم قواعد العمل الصحفي وتتمسك بحق المجتمع في المعرفة. غير أن المشهد، في بعض الأحيان، يطرح أسئلة مشروعة حول الحدود الفاصلة بين التغطية الإعلامية والعلاقات العامة، وبين نقل الوقائع وصناعة الصورة، وهي أسئلة لا تستهدف أشخاصًا أو مؤسسات بعينها، بقدر ما تدعو إلى مراجعة مستمرة للممارسة المهنية.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل هو أن ثقة القارئ لم تعد تُكتسب بسهولة كما كان الحال في الماضي. فالقارئ العربي اليوم يطالع مصادر متعددة، ويقارن بين الروايات، ويعود إلى الوثائق متى استطاع، ولذلك أصبحت المصداقية تُبنى ببطء، بينما قد تتراجع بسرعة إذا شعر المتلقي أن الرأي سبق المعلومة، أو أن الانطباع غلب على التحقق.
إن قوة الصحافة لم تكن يومًا في قدرتها على إرضاء الجميع، ولا في تجنب الأسئلة الصعبة، وإنما في قدرتها على تقديم المعلومات بأكبر قدر ممكن من الدقة والإنصاف والاستقلال. ولهذا فإن النقد المهني لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هجومًا على الإعلام، بل باعتباره أحد أهم وسائل تطويره وحماية مكانته.
وعندما نسأل: من الذي غيّر ملامح الصحافة؟ فربما تكون الإجابة أقل ارتباطًا بالأدوات، وأكثر ارتباطًا بالخيارات. فكل ممارسة تُضعف الاستقلال المهني، أو تُقدم الاعتبارات غير التحريرية على حق الجمهور في المعرفة، تترك أثرًا في صورة المهنة، مهما كان حجم هذا الأثر أو دوافعه.
وفي المقابل، فإن كل كاتب يتمسك بالتحقق، ويحترم عقل قارئه، ويُفرق بين الخبر والرأي، ويسعى إلى الإنصاف قبل الإثارة، يساهم في استعادة الملامح التي صنعت مكانة الصحافة عبر تاريخها.
ولهذا، فإن مستقبل الصحافة العربية لن تحدده الخوارزميات وحدها، ولا المنصات الجديدة وحدها، بل سيحدده قبل كل شيء إيمان العاملين فيها بأن المصداقية ليست شعارًا يُرفع، وإنما مسؤولية تُمارس كل يوم، وأن ثقة القارئ، متى فقدت، تبقى أصعب ما يمكن استعادته.



