■ راضي غربي العنزي – اعلامي سعودي
ليست المشكلة في قسوة الحياة، بل في أن كثيرًا من الناس جعلوا أخلاقهم رهينةً لتصرفات الآخرين؛ فإن أُحسن إليهم أحسنوا، وإن أُسيء إليهم أساؤوا، حتى غدت المبادئ تتبدل بتبدل المصالح، وكأن الأخلاق عقدٌ مؤقت ينتهي بانتهاء المنفعة. أما المؤمن، فإنه يبني أخلاقه على أساسٍ لا يتغير، لأنه يعلم أن الناس يتقلبون، بينما الله سبحانه هو الحق، الكريم، البر، العدل، الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة من خير. ومن هنا يبدأ السر الذي لا يعرفه إلا الطيبون.
لقد لخص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى الخالد بقوله: “والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله؛ فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله، لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله، لا منهم.” ولو أن هذه الكلمات نُقشت في القلوب قبل أن تُكتب في الكتب، لانطفأت خصومات كثيرة، وسكنت نفوس أتعبها انتظار الامتنان من البشر.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان اليوم أنه ينتظر المقابل في كل شيء؛ كلمة شكر، أو رسالة وفاء، أو اعترافًا بجميله، فإذا تأخر شيء من ذلك ظن أنه خسر. وهنا تكمن المفارقة؛ فالناس يريدون أن يتاجروا بالإحسان، ثم يشتكون من كساد تجارتهم. أما من جعل معاملته لله، فقد ربح منذ البداية، لأنه يتعامل مع الكريم سبحانه، الذي لا يخلف وعده، ولا يضيع أجر المحسنين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. إنها آية تهذب النيات قبل الأعمال، وتعلم الإنسان أن الإحسان يبلغ كماله حين يتحرر من انتظار الثناء. وقال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فصلاح النية هو الذي يحول المعروف من عادة إلى عبادة، ومن مجاملة عابرة إلى رصيدٍ باقٍ عند الله.
ولعل التاريخ الإسلامي لم يرسم صورةً للإخلاص في معاملة الخلق أجمل مما رُوي عن علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله، فقد كان إذا أرخى الليل سدوله خرج يحمل أكياس الدقيق والطعام على ظهره، يطرق أبواب الفقراء في صمت، ثم يضعها وينصرف قبل أن يراه أحد. سنوات طويلة وأهل المدينة لا يعرفون صاحب تلك الأيادي البيضاء، حتى مات، فانقطعت عنهم العطايا، فعرفوا أن الرجل الذي كان يزورهم ليلًا قد رحل إلى ربه. وحين غُسّل بعد وفاته، وُجدت على ظهره آثارٌ سوداء من كثرة ما حمل للمساكين. لم يكن يبحث عن دعاءٍ يُقال أمامه، ولا عن ثناءٍ يُكتب باسمه، وإنما كان يعلم أن الله سبحانه يرى العمل وإن خفي، ويضاعف الأجر وإن غاب الشهود. وهكذا يصنع الإخلاص رجاله؛ يعملون بصمت، ويرحلون بصمت، لكن آثارهم تبقى تتحدث عنهم بعد رحيلهم، لأن المعروف إذا كان لله لا يموت.
وقد أحسن الإمام الشافعي حين قال: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.” وقال الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس: “لا تعلّق سعادتك بما لا تملك.” وما أكثر الذين علقوا سعادتهم بألسنة الناس؛ فإن مدحوهم فرحوا، وإن نسوهم حزنوا، بينما المؤمن يعلق قلبه بالله وحده، فيبقى ثابتًا؛ لأن من كان الله غايته لم تزعزعه تقلبات البشر.
ومن أعجب ما نراه أن بعض الناس يحصي حسناته كما يحصي التاجر فواتيره، فإذا لم يجد ردًا سريعًا أعلن إفلاسه الأخلاقي، وبدأ يسترد معروفه بالتذكير والمنّ، وكأنه لم يسمع قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]. فالمعروف إذا تبعه المنّ ذبل، وإذا صاحبه الإخلاص باركه الله، وجعل أثره يمتد في القلوب قبل الأعمار.
إن أعظم حرية يمنحها الإيمان للإنسان أن يخرجه من أسر انتظار البشر إلى سعة الرجاء بالله. فإذا أعطيت فلا تنتظر التصفيق، وإذا سامحت فلا تنتظر الاعتذار، وإذا أحسنت فلا تنتظر الوفاء؛ لأنك حينئذ لا تتعامل مع خزائن الناس المحدودة، وإنما مع فضل الله الذي لا ينفد، وجوده الذي لا ينقطع، ورحمته التي وسعت كل شيء.
وليس معنى ذلك أن الناس كلهم جاحدون، ففيهم أوفياء كرام، ولكن المؤمن لا يجعل وفاءهم أساسًا لاستمرار أخلاقه، لأنه يعلم أن الإنسان يضعف وينسى، أما الله سبحانه فلا ينسى، وهو الشكور الذي يشكر لعباده القليل، ويضاعفه بكرمه وفضله، ويجزي على الحسنة أضعافًا كثيرة.
وهنا ندرك سر الطيبين؛ ليس لأنهم لم يُخذلوا، ولا لأنهم لم يتألموا، بل لأنهم اختاروا أن يكون الله وحده مقصدهم في الإحسان، فلا يفسدهم جحود، ولا يطفئ نورهم تقصير أحد، ولا تتبدل أخلاقهم بتبدل الوجوه.
فلا تجعل أخلاقك رهينة شكر الناس، ولا تربط سعادتك باعترافهم بفضلك، ولا تُرهق قلبك بمراقبة من رد الجميل ومن نسيه. ازرع الخير ثم امضِ، واصنع المعروف ثم انسَه، واعفُ ثم لا تلتفت خلفك، فإن الله سبحانه هو الكريم الحميد، والبر الرحيم، والعدل الحكيم، وهو وحده الذي لا يضيع عنده إحسان، ولا يغيب عنه معروف، ولا يخيب من قصد وجهه الكريم. وهناك… يبقى السر الذي لا يعرفه إلا الطيبون.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام: 479438



