والله… يجبرها..!

• راضي غربي العنزي –
كاتب رأي سعودي

ليست أعظم مشاهد الحياة أن ترى إنسانًا لم يعرف الألم، بل أن ترى إنسانًا هزم الألم ولم يهزمه، وأن ترى قلبًا خرج من العتمة وهو أكثر نورًا، وروحًا عبرت الفقر فلم تفقد كرامتها، ووجهًا غسلته الدموع طويلًا ثم أضاءه الله بابتسامة صادقة. هناك لحظات لا تُشترى، لأنها تُولد من رحمة الله وحده؛ حين يبدّل الخوف أمنًا، والضيق سعة، والمرض عافية، والانكسار قوة، والتيه هداية. عندها يدرك الإنسان أن أجمل ما في الحياة ليس أن تسير الأيام كما تريد، بل أن يأخذ الله بيدك كلما ظننت أن الطريق قد انتهى، فإذا النهاية التي أخافتك… هي البداية التي أكرمك الله بها.

أكثر منظرٍ أحبّه في الدنيا ليس قصرًا شاهقًا، ولا رصيدًا مصرفيًا متخمًا، ولا اسمًا يملأ المجالس، بل إنسانٌ اغتنى بعد فقر، وارتاح بعد تعب، وقام بعد طيحة، واستقام بعد ميل، واطمأن بعد قلق، وتشافى بعد مرض. ذلك المشهد وحده يكفي ليخبرك أن الله سبحانه إذا أراد لعبده خيرًا بدّل ملامح حياته كلها، وأن رحمته أوسع من كل جراحنا، ولطفه أقرب إلينا من أوهامنا، وأن الكريم سبحانه لا يترك قلبًا تعلّق به صادقًا.

الغريب أن الناس يصفقون للنهايات، وينسون البدايات. يعجبهم الرجل الناجح، لكنهم لا يسألون عن الليالي التي بكى فيها، ولا عن الأبواب التي أغلقت في وجهه، ولا عن الأيام التي كان يحمل فيها همّه إلى الله وحده. يريدون الثمرة، وينسون الجذور، ويحتفلون بالوصول، ولا يلتفتون إلى الطريق الطويل الذي امتلأ صبرًا ودعاءً وثقةً بالله.

قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. إنه وعدٌ من الله، ووعده الحق، لا يخلف الميعاد. تأمل كيف كرر الله البشرى، وكأنه يربت على قلب كل مهموم، ويقول له: لا تجعل الألم يكتب خاتمة قصتك، فما دام الله ربك، فالرجاء باقٍ، والفرج قريب.

وقال رسول الله ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.» فما أعظمها من كلمات لو استقرت في القلوب لغيّرت نظرتنا للحياة. فالمؤمن لا يعبد الظروف، وإنما يعبد الله، ولا يثق في الأسباب، وإنما يثق بمن خلق الأسباب.

ومن أجمل صفحات التاريخ الإسلامي قصة الصحابي الجليل صهيب الرومي رضي الله عنه، الذي خرج مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ، فمنعه المشركون من ماله، فترك لهم الدنيا كلها، ومضى بقلبه إلى الله ورسوله. فلما وصل المدينة قال له النبي ﷺ: «ربح البيع أبا يحيى.» خسر مالًا، لكنه ربح رضا الله، ثم عوضه الله خيرًا مما ترك. وهكذا يصنع الله بمن يقدّم رضاه على كل شيء.

ويقول الفيلسوف إبكتيتوس اليوناني: “ليست الأحداث هي التي تزعج الإنسان، وإنما نظرته إليها.” أما المؤمن فيقول: بل وراء كل حدث حكمة من الله، ورحمة من الله، ولطف من الله، وإن خفيت عنا الأسباب. ولذلك كان أكثر الناس طمأنينة هو أكثرهم معرفةً بربه، لأن من عرف الله لم ييأس، ومن وثق بالله لم تهزمه الشدائد.

ومن الطريف أن بعض الناس إذا خسر وظيفةً، أو تعثرت تجارة، أو تأخر رزق، تصرف وكأن الحياة انتهت، وكأن مفاتيح الخير كانت في يد البشر! يا للعجب… لو علم أن خزائن الله لا تنفد، وأن رحمته لا تحدها الأسباب، لاستحيا من استعجال اليأس. إن بعض الأبواب التي نبكي على إغلاقها، لو فُتحت لكانت شقاءً طويلًا، ولكن الله الحكيم صرفها عنا رحمةً بنا.

كم من مريضٍ طال ألمه، ثم خرج من مرضه بقلبٍ جديد، يعرف قيمة العافية أكثر من غيره. وكم من فقيرٍ ذاق مرارة الحاجة، فلما أغناه الله أصبح أكثر الناس إحساسًا بالفقراء. وكم من إنسانٍ ضاقت به الدنيا حتى ظن أن لا مخرج، فإذا بالله يفتح له بابًا لم يخطر له على بال. تلك ليست مصادفات، وإنما آثار أسماء الله الحسنى في حياة عباده؛ فهو الكريم، واللطيف، والرحيم، والوهاب، وجابر المنكسرين.

إن أعظم ثروة ليست المال، وإنما السكينة التي يقذفها الله في القلب، وأعظم نجاح ليس أن يعرفك الناس، وإنما أن يعرفك الله في مواطن الطاعة، وأجمل نهاية ليست كثرة الممتلكات، وإنما أن ينظر الإنسان إلى ماضيه فيجد أن كل دمعة ذرفها كانت تقوده إلى رحمة، وكل انكسار كان يصنع فيه قوة، وكل تأخير كان يخبئ له عطاءً أكبر.

لهذا أحب النهايات السعيدة، لا لأنها تُرضي العاطفة فحسب، بل لأنها تذكرني بصفة عظيمة من صفات الله؛ أنه سبحانه يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويشفي المريض، ويهدي الضال، ويفرج هم المكروب، ويبدل الخوف أمنًا إذا شاء. وما دام العبد متعلقًا بربه، حسن الظن به، صادق اللجوء إليه، فإن صفحة الغد قد تحمل من لطف الله ما يمحو تعب أعوامٍ كاملة.

اللهم يا جابر المنكسرين، ويا أرحم الراحمين، ويا واسع الفضل والإحسان، بدّل حالنا إلى أفضل حال، وأغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، واشف مرضانا، وفرّج همومنا، وأصلح قلوبنا، واجعلنا من عبادك الشاكرين، ولا تجعل في قلوبنا يأسًا ما دمنا نؤمن بك ونتوكل عليك، إنك على كل شيء قدير.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام
تصريح 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top