بقلم علي حسن المفتاح
هناك نوع من الوجاهة لا يحتاج إلى تعريف، يكفي أن ترى صاحبها في مجلس أو مناسبة عامة حتى تعرف أنه جاء ليذكّرك، بطريقة أو بأخرى، بأنه «أحد كبار القوم». ثوب مرتب، شماغ مضبوط، حضور في المناسبات، مصافحة لمسؤول هنا، وصورة هناك، ثم حديث طويل عن الإعلام وأهله ومَن يستحق أن يكون في المشهد ومَن لا يستحق. المشكلة ليست في الثوب ولا في الشماغ ولا في الحضور الاجتماعي، فهذه كلها أمور محترمة، وإنما المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المظاهر إلى شعور بالحق في الوصاية على الآخرين، وكأن الإعلام محافظة داخل محافظة، لها باب واحد ومفتاح واحد وحارس واحد.
المؤسف أن بعض من يقدمون أنفسهم بوصفهم «كبار الإعلاميين» لا يتصرفون مع الإعلام باعتباره مهنة ورسالة ومساحة مفتوحة، وإنما باعتباره مجلسًا خاصًا لا ينبغي أن يدخل إليه أحد من دون إذنهم. فإذا ظهر إعلامي جديد، أو برز شاب بدأ يصنع لنفسه اسمًا، أو ظهرت مجموعة تعمل باستقلالية بعيدًا عن نفوذهم، تغيرت النبرة فجأة، وبدأت الأسئلة: من هؤلاء؟ من أعطاهم الحق؟ لماذا يتحدثون؟ ماذا يريدون؟ ثم تتطور المسألة من الاستنكار إلى التقليل من شأنهم، ومن التقليل إلى التخويف، حتى يصل الأمر ببعضهم إلى محاولة دفع شباب في مقتبل العمر إلى ترك المجال الإعلامي من الأساس.
وهنا لا بد أن نتوقف قليلًا.
أي عقلية هذه التي تجعل رجلًا يعتقد أن منافسة شاب أصغر منه بعشرات السنين معركة يجب أن يخوضها بكل هذا الإصرار؟ وأي مكانة تلك التي تحتاج إلى تخويف من هم في بداية الطريق حتى تحافظ على حضورها؟ إذا كان الاسم كبيرًا فعلًا، والخبرة كبيرة فعلًا، والمكانة راسخة فعلًا، فلماذا كل هذا القلق من شاب يحمل كاميرا أو يكتب خبرًا أو يحاول أن يتعلم؟
الكبير الحقيقي لا يخشى أن يكبر الآخرون.
بل على العكس، يعرف أن قيمته تزداد كلما استطاع أن يصنع من حوله أشخاصًا أفضل منه، وأن سنوات الخبرة التي قضاها ليست امتيازًا شخصيًا يحتكرها، وإنما مسؤولية أخلاقية يفترض أن يقدم شيئًا منها لمن جاء بعده.
أما أن يصل الأمر إلى وضع الرأس بالرأس مع شباب في مقتبل العمر، أو التعامل معهم وكأنهم خصوم يجب إسقاطهم، فهذه ليست هيبة ولا قوة ولا قيادة. القوة الحقيقية أن يكون الإنسان قادرًا على الوقوف في وجه من هو أقوى منه إذا لزم الأمر، لا أن يستعرض قوته على من هو أصغر منه وأقل خبرة وأضعف نفوذًا.
والأشد غرابة أن يتحول بعض هؤلاء إلى ما يشبه «المتحدث الرسمي غير المعلن» باسم المحافظة، فيقرر من يمثلها ومن يشوه صورتها، وكأن أهالي المحافظة فوضوه بهذه المهمة، وكأن الإعلاميين الآخرين يحتاجون إلى ختم منه قبل أن يمارسوا عملهم.
من قال إن المحافظة لها ممثل إعلامي واحد؟
ومن أين جاءت هذه الوصاية؟
وهل أصبحت المحافظة ملكًا لأحد حتى يوزع صكوك التمثيل على الناس؟
المحافظة أكبر من أي اسم، وأكبر من أي منصب، وأكبر من أي مجلس أو مجموعة أو حساب في مواقع التواصل. فيها عشرات الإعلاميين والمصورين والكتّاب وصناع المحتوى، وكل واحد منهم له تجربته وأسلوبه ومساحته، ومن الطبيعي أن يختلف الناس في مستوى أعمالهم، لكن غير الطبيعي أن ينصّب أحد نفسه حارسًا على المجال، ثم يقرر أن الآخرين «يشوهون صورة المحافظة» فقط لأنهم لم يعملوا تحت عباءته.
والحقيقة التي قد تكون مؤلمة لبعض المتصدرين أن صورة المحافظة لا تتشوه لأن شابًا جديدًا دخل الإعلام، وإنما تتشوه عندما يتحول الإعلام إلى وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية، أو عندما يصبح الهدف هو إسكات الآخرين بدل تطوير العمل، أو عندما يعتقد أحدهم أن حضوره الاجتماعي يمنحه حق الحديث باسم الجميع.
والأغرب من ذلك كله أن بعض من يرفعون شعار «المحافظة وصورتها» لا يسألون أنفسهم سؤالًا بسيطًا: هل صورتهم الشخصية لدى الناس فوق النقد أصلًا؟ وهل كل من يختلف معهم يسيء للمحافظة، بينما هم وحدهم يمثلون الوجه الصحيح لها؟
هذه ليست مهنية، وإنما تضخيم للذات تحت غطاء المصلحة العامة.
هناك فرق كبير بين أن تكون صاحب تجربة وبين أن تجعل تجربتك سلطة على الآخرين. وهناك فرق أكبر بين أن تكون قائدًا وبين أن تحب أن يناديك الناس قائدًا. القيادة ليست كرسيًا يجلس عليه شخص ثم يطلب من الآخرين أن يعملوا من تحته؛ القيادة الحقيقية أن ترى الذين يعملون معك وهم يتقدمون، ثم تكون سعيدًا بأنهم تجاوزوك في بعض المجالات.
ومن المفارقات أن بعض من يتحدثون كثيرًا عن القيادة لا يصنعون جيلًا واحدًا من بعدهم، بينما تجد شبابًا لم يحصلوا على هذا النوع من الدعم أصلًا، ومع ذلك استطاعوا أن يشقوا طريقهم بأنفسهم. تعلموا التصوير والمونتاج والكتابة، تابعوا الدورات، جربوا أدوات جديدة، أخطأوا ثم صححوا أخطاءهم، وبنوا علاقاتهم خطوة خطوة، من دون أن يصعدوا على كتف أحد أو يطلبوا من شخص أن يمنحهم شهادة في أنهم يستحقون أن يكونوا إعلاميين.
وهؤلاء تحديدًا يستحقون الاحترام.
ليس لأنهم أفضل من غيرهم بالضرورة، وإنما لأنهم اختاروا الطريق الأصعب: أن يبنوا أنفسهم بأنفسهم.
ومن المؤسف أن تجد من ينظر إلى هؤلاء بعين الاستعلاء بدل أن ينظر إليهم بعين الأبوة المهنية. كان يمكن لمن سبقهم أن يقول لهم: تعالوا، سأختصر عليكم الطريق، سأعلمكم ما أعرف، وسأحذركم من الأخطاء التي وقعت فيها، وسأفرح عندما تنجحون. لكن بعضهم اختار الطريق الآخر؛ طريق التخويف والتقليل ومحاولة إقناع الآخرين بأن الساحة لا تتسع إلا له.
والأكثر إزعاجًا أن يصبح جهد الآخرين مادة للظهور الشخصي أمام المسؤولين والوجهاء. فريق يعمل، وشباب يتعبون، وأشخاص يقضون الساعات في التنظيم والتغطية والتوثيق، ثم يأتي شخص واحد ليضع نفسه في الواجهة وكأن المشروع ولد من تحت يده، وكأن الآخرين كانوا مجرد أدوات تنفيذ.
إذا كنت قائدًا، فاذكر فريقك.
وإذا كنت صاحب مبادرة، فأعط أصحاب الجهد حقهم.
وإذا وقفت أمام مسؤول، فلا تنسب إلى نفسك ما لم تفعله.
هذه أبسط قواعد القيادة، ولا تحتاج إلى دورة في الإدارة حتى يفهمها الإنسان.
القائد الذي يرفع نفسه على حساب من يعملون معه قد ينجح في صناعة صورة لفترة، لكنه في النهاية يترك وراءه شيئًا أخطر من فشل مشروع؛ يترك أشخاصًا يشعرون أنهم استُخدموا بدل أن يشعروا أنهم كانوا جزءًا من نجاح حقيقي.
أما أن يصل التعالي إلى التعامل بفوقية مع أشخاص من ذوي الإعاقة أو أصحاب الظروف الخاصة، فهنا تسقط كل شعارات الوجاهة والقيادة والتمثيل؛ لأن الإنسان الذي يمتلك خبرة طويلة في الإعلام يفترض أن يكون أكثر فهمًا لقيمة الإنسان، لا أكثر قدرة على التقليل منه.
الإعلام في نهاية المطاف ليس ثوبًا وشماغًا وصورة مع مسؤول، وليس عددًا من المجالس التي حضرها الإنسان، ولا عددًا من المرات التي قدم فيها نفسه على أنه «الكبير». الإعلام أثر، ومسؤولية، وأخلاق، وقدرة على فتح الطريق للآخرين لا إغلاقه في وجوههم.
والسؤال الذي يجب أن يسأله كل من يرى نفسه كبيرًا في هذا المجال ليس: «كم شخصًا يخاف مني؟» ولا «كم شخصًا يحتاجني؟»، وإنما: كم شخصًا أصبح أفضل بسببي؟
هذه هي المسافة الحقيقية بين الكبير والمتصدر.
الكبير يترك خلفه رجالًا ونساءً يستطيعون الوقوف وحدهم.
أما المتصدر فيحتاج إلى أن يبقى الجميع تحته حتى يستمر شعوره بأنه فوقهم.
ولذلك فإن الإعلامي الذي يفرح بظهور جيل جديد هو الذي يستحق أن يسمى إعلاميًا كبيرًا، لأنه فهم أن الميدان ليس ملكًا له، وأن النجاح لا ينقص إذا شاركه فيه غيره. أما الذي يريد أن يحتكر الساحة، ويخيف الداخلين إليها، ويقلل من الآخرين، ويضع نفسه ممثلًا وحيدًا لمجتمع كامل، ثم يغضب لأن شبابًا اختاروا أن يعملوا باستقلالية، فعليه أن يعيد تعريف كلمة «قيادة» قبل أن يطلب من الناس أن ينادوه قائدًا.
فالمحافظة ليست ملكًا لأحد، والإعلام ليس إرثًا عائليًا، والوجاهة ليست تفويضًا، والسن ليس رخصة للتعالي، والخبرة ليست تصريحًا بإسكات الآخرين.
ومن يظن أن بإمكانه إغلاق الباب خلفه حتى لا يدخل أحد، عليه أن يتذكر أن الإعلام لم يكن يومًا بابًا يملكه شخص واحد.
الإعلام ساحة مفتوحة، ومن يستحق أن يبقى في مقدمتها ليس من يقف على الباب ويمنع الآخرين من الدخول، وإنما من يدخل أولًا ثم يلتفت إلى من خلفه ويقول: تعالوا.. المكان يتسع للجميع.



