راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
ليس النقاء أن تعيش بين الناس دون أن يؤلمك أحد، ولا أن تظل مبتسمًا لأن الحياة كانت رحيمة بك؛ النقاء الحقيقي أن تؤلمك الحياة ولا تُفسدك، وأن يمر بك الذين أساؤوا إليك فلا تحملهم معك إلى بقية عمرك. أن تملك في قلبك ألف سبب للعتب، ثم تختار ألا تجعل العتب عقيدة، وألا يتحول الحزن إلى حقد، ولا الخذلان إلى رغبة في الانتقام. فبعض القلوب لا يطهّرها غياب الأذى، وإنما يطهّرها حضور الله فيها؛ وحين يعرف القلب ربَّه حق المعرفة، تصغر في عينه الخصومات، ويصبح العفو قوة، والتجاوز رفعة، وسلامة الصدر نعمة لا يعرف قيمتها إلا من ذاق مرارة القلوب الممتلئة بالغل.
وقد يبدو هذا الكلام في زمننا غريبًا بعض الشيء؛ فنحن نعيش عصرًا أصبح فيه بعض الناس يحتفظون بالإساءة كما يحتفظ آخرون بصور العائلة القديمة! يتذكرون من أخطأ في حقهم قبل عشرين عامًا، ومن لم يهنئهم، ومن تأخر عن الرد، ومن قال كلمة لم تعجبهم، ثم يضعون الجميع في أرشيف داخلي بعنوان: «لن أنسى». وكأن القلب مؤسسة حكومية لها قسم خاص لتسجيل المخالفات!
لكن القلب الذي أراده الله لعبده ليس كذلك. القلب المؤمن لا يعني قلبًا لا يتألم، وإنما قلب يعرف أين يضع ألمه. لا يدفنه في صدره حتى يتحول إلى حقد، ولا يوزعه على الناس حتى يصبح هو نفسه مصدرًا للأذى. إنه قلب يرفع أمره إلى الله، الواحد الأحد، الذي لا شريك له، ويقول في صمته: يا رب، أنت أعلم بما حدث، وأعلم بما في صدري، فأصلح قلبي ولا تجعلني نسخة من الذين آذوني.
ولذلك جاء الوصف النبوي بالغًا في الجمال: «كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوقِ اللسانِ»، فسُئل النبي ﷺ عن مخموم القلب فقال: «هو التقيُّ النقيُّ، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلَّ، ولا حسد».
تأملوا كلمة «مخموم». كأن القلب يُنقّى من داخله، لا أمام الناس. فهناك أشياء لا يراها أحد، لكنها عند الله عظيمة؛ أن تستطيع التشهير فلا تفعل، وأن تعرف سرًا فلا تفضحه، وأن تُتاح لك فرصة الانتقام فتتركها لله، وأن تسمع نجاح من كنت تتمنى له الفشل فتقول: الحمد لله، رزقه الله.
وهذه منزلة لا يصل إليها قلب مشغول طوال الوقت بمقارنة نفسه بالآخرين. فالحاسد لا يعاقب خصمه كما يظن؛ إنه يعاقب نفسه. ينام والآخر في ذهنه، ويستيقظ والآخر في صدره، ويأكل والآخر على مائدته، ويعمل والآخر في مكتبه، ثم يتساءل لماذا لا يشعر بالراحة! يا رجل، لقد دعوت شخصًا إلى قلبك وأعطيته غرفة مجانية، ثم غضبت لأنه أقام فيها!
والقرآن يختصر الطريق كله في مشهد لا يحتاج إلى كثير من الشرح، حين يقول الله سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
قلب سليم؛ تلك هي الثروة التي لا تظهر في الحسابات البنكية، ولا تُقاس بعدد المتابعين، ولا تمنح صاحبها لقبًا اجتماعيًا. قد يكون الإنسان فقيرًا في أعين الناس، لكنه عند الله يحمل ثروة لا يعرفها أحد: صدر لا يحمل غلًا، ولسان لا يكذب، ونفس لا تتمنى الشر، وقلب إذا رأى نعمة عند غيره قال: اللهم بارك له.
ويُروى عن الحسن البصري رحمه الله معنى بديع في هذا الباب، أن رجلًا شتمه، فلما أراد أن يرد عليه قال له: إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك. أي قلب هذا الذي لا يسمح للإساءة أن تسحبه إلى مستنقعها؟
لقد كان أولئك الرجال يعرفون أن الإنسان قد ينتصر على خصمه ويخسر نفسه، وأن الرد ليس دائمًا شجاعة، وأن الصمت ليس دائمًا ضعفًا. وقد قال ماركوس أوريليوس، في حكمة اشتهرت عنه: «أفضل انتقام هو ألا تكون مثل عدوك.»
وما أعمق هذا المعنى حين يلتقي مع الإيمان بالله؛ فالمؤمن لا يترك الانتقام لأنه عاجز، وإنما لأنه يعلم أن الله يرى، وأن الله يحكم، وأن الله أعدل من أن تضيع عنده مظلمة. وحين يطمئن قلبك إلى عدل الله، لا تعود مضطرًا إلى أن تجعل نفسك قاضيًا وجلادًا في كل خلاف.
ولذلك كان من دعاء المؤمنين الذي سجله القرآن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
يا لها من دعوة! لم يقولوا فقط: اغفر لنا، بل قالوا: ولا تجعل في قلوبنا غلًا. لأن الإنسان قد ينجو من أشياء كثيرة، لكنه إذا حمل الحقد معه أصبح يحمل خصمه أينما ذهب.
وفي زمننا هذا، رأينا قصصًا كثيرة لأناس خسروا وظائفهم أو أموالهم أو علاقاتهم، ثم استطاعوا أن يبدأوا من جديد. لكن أجمل القصص تلك التي يبدأ فيها الإنسان من جديد دون أن يحمل معه كراهية الأمس. رجل خسر شراكة بسبب شخص وثق به، ثم بعد سنوات، حين جاءه ذلك الشخص معتذرًا، لم يفتح له دفاتر الماضي، بل قال له: «سامحتك، وأسأل الله أن يعوضنا جميعًا خيرًا». لم يكن ذلك الرجل غافلًا عن الخيانة، لكنه كان أذكى من أن يجعلها تسكن بقية عمره.
وهكذا يصنع الله من بعض الانكسارات أبوابًا للرحمة. قد يأخذ منك إنسانًا، ثم يعطيك راحة. وقد يكشف لك وجهًا لم تكن تراه، ثم يحفظك من التعلق به. وقد يؤلمك موقف، ثم يجعلك بعده أكثر رحمة بالناس وأقل استعجالًا في الحكم عليهم. وليس في أفعال الله عبث؛ فالله الحكيم، الرحيم، اللطيف بعباده، يعلم ما لا نعلم، ويختار لعبده بحكمة ورحمة.
وليس معنى القلب المخموم أن تكون ساذجًا؛ فالطيبة شيء، وقلة البصيرة شيء آخر. سامح، لكن تعلّم. أعرض، لكن لا تسمح بتكرار الأذى. اترك الانتقام، لكن لا تترك حقك إن كان لك حق. الفرق أن تأخذ حقك دون أن تلوث قلبك، وأن تضع الحدود دون أن تبني داخل نفسك سجنًا من الكراهية.
القلب المخموم ليس قلبًا ضعيفًا، بل قلبٌ مرّ بالنار ولم يتحول إلى رماد. عرف الخيانة ولم يصبح خائنًا، وعرف القسوة ولم يصبح قاسيًا، وعرف الحسد فلم يحسد، وعرف الفقد فلم يكره الحياة.
وهنا تكمن البطولة الحقيقية؛ أن تظل إنسانًا جميلًا في عالم يحاول أحيانًا أن يقنعك بأن القسوة هي الطريق الوحيد للنجاة.
فيا من أرهقك شخص، لا تمنحه بقية عمرك. ويا من ظلمك أحد، لا تسمح له أن يسرق منك أجمل ما فيك. ويا من خذلك إنسان، لا تجعل خذلانه سببًا في سوء ظنك بخلق الله. ارفع قلبك إلى الله، وقل له ما لا تستطيع قوله لأحد؛ فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، وهو الرحمن الرحيم، الواحد الذي لا شريك له، وبيده الأمر كله.
ثم امضِ.
ليس لأنهم يستحقون المسامحة دائمًا، بل لأن قلبك يستحق النجاة.
وحين تصل إلى تلك المرحلة التي تستطيع فيها أن تذكر من أساء إليك دون أن يرتجف قلبك غضبًا، وأن ترى من سبقك دون أن تحترق حسدًا، وأن تفرح لخير أصاب غيرك وكأنه أصابك، فاعلم أن الله قد منحك شيئًا أعظم من الانتصار على الناس: منحك قلبًا لا يحتاج إلى أن ينتصر عليهم أصلًا.
ذلك هو القلب المخموم؛ قلبٌ نظيف، لا لأن الدنيا لم توسخه، بل لأن صاحبه كلما اتسخ بشيء عاد إلى الله، وكلما أثقله الغل تركه عند باب رحمته، وكلما ضاقت نفسه تذكر أن الله أرحم به من غضبه، وأعلم بحاله من شكواه.
وفي آخر الطريق، حين تسقط كل الألقاب، وتنتهي كل الخصومات، ويكتشف الإنسان أن معظم ما كان يظنه معارك كبرى لم يكن يستحق كل ذلك الغضب، لن يبقى معه إلا عمله وقلبه.
فطوبى لمن يصل إلى الله بقلب سليم.
وطوبى لقلبٍ لم ينتصر على أحد، لأنه انتصر على نفسه.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



