راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
هناك قلوبٌ لا تحتاج إلى من يسألها: ماذا بك؟ بقدر ما تحتاج إلى من يقول لها: لا تخف، ما زال في العمر متسعٌ للعودة. فالإنسان قد يرهقه خطؤه، ويثقله ماضيه، ويبالغ في محاكمة نفسه حتى ينسى أن الله لا يعامل عباده بمنطق اليأس، وأن الرحمة التي جعلها الله أصلًا في معاملته لعباده أوسع من كل ما يظنه الإنسان عن نفسه. وما بين زلةٍ ودمعة، وبين ندمٍ ودعاء، يولد أحيانًا أجمل ما في الإنسان: قلبٌ عرف طريقه إلى الله بعد أن أضاع الطريق طويلًا.
قال الله سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. آيةٌ قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معناها؛ تفتح للمذنب باب الأمل، وللمنكسر باب الطمأنينة، وللحائر طريق العودة.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
عندما فرغ الله سبحانه من تقدير الخلائق وإيجادهم، كتب كتابًا على نفسه تفضلًا منه على عباده، وجعل فيه: «إن رحمتي سبقت غضبي». وليس في ذلك إلا بيانٌ لعظيم رحمته سبحانه وحكمته وعدله؛ فالله الواحد الأحد، المنزّه عن الظلم والنقص، لا يعاقب إلا بحق، ولا يؤاخذ عباده إلا بعد قيام الحجة، بينما رحمته وإحسانه وفضله يسبقون عباده في كل لحظة من لحظات حياتهم.
تأمل هذه الحقيقة جيدًا: نحن نعيش في رحمة الله قبل أن نطلبها، ونأكل من فضله قبل أن نشكره، ونستيقظ كل صباح وفي أعمارنا مهلة جديدة، وفي قلوبنا فرصة جديدة، وفي الطريق أبواب لم نطرقها بعد.
ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
تأمل النداء: «يا عبادي». حتى الذين أسرفوا على أنفسهم لم يُخرجهم الله من باب العبودية، ولم يقل لهم: انتهيتم. بل ناداهم، وفتح لهم الرجاء، ودعاهم إلى العودة.
وهذه من أعظم الرسائل التي يحتاجها مجتمعنا اليوم؛ لأننا أصبحنا أحيانًا أسرع إلى إصدار الأحكام من فهم البشر. نرى خطأ الإنسان فنختصره في خطئه، ونرى عثرته فنختصر عمره كله في لحظة، وننسى أن الذي أخطأ اليوم قد يكون أكثر الناس صدقًا في التوبة غدًا.
كم إنسانٍ قتلناه بكلمة: «أنت لا تتغير»!
وكم إنسانٍ كان يحتاج أن نقول له: «ابدأ من جديد»!
المشكلة أن بعضنا يريد لنفسه رحمةً إلهية لا حدود لها، ثم يضع للآخرين دفتر مخالفات لا تنتهي صفحاته! نعفو عن أنفسنا لأن لدينا ظروفًا، ونحاكم غيرنا لأن لديه أخطاء. نطلب من الله أن يسترنا، ثم نبحث عن أخطاء الناس تحت الضوء.
يا لهذا الإنسان… يريد أن يدخل الجنة بملفٍ أبيض، لكنه يصر على أن يحمل للآخرين ملفاتٍ سوداء!
وقد قال ماركوس أوريليوس: «أفضل انتقام هو ألا تكون مثل عدوك.» وهي حكمة تضع الإنسان أمام مرآته: لا تجعل قسوة الآخرين سببًا في أن تفقد رحمتك، ولا تجعل إساءة شخصٍ واحدٍ تحول قلبك إلى نسخةٍ أخرى منه.
وقال إبكتيتوس بمعنى عميق: إن بعض الأشياء تقع خارج قدرتنا، لكن موقفنا منها يظل في أيدينا. وما أجمل أن يتحول هذا المعنى إلى خلقٍ اجتماعي؛ فإذا أساء إليك أحد، فلا تمنحه سلطة أن يحدد أخلاقك.
وقد ضرب لنا الإسلام مثالًا عظيمًا في الرحمة حين جاء ثمامة بن أثال أسيرًا إلى النبي ﷺ، فكان بإمكان القوة أن تكون هي اللغة الوحيدة، لكن النبي ﷺ ترك له مساحة يرى فيها الإسلام من خلال حسن المعاملة والكرامة، ثم أطلقه. فذهب ثمامة، ثم عاد معلنًا إسلامه. لم يكن الطريق إلى قلبه صراخًا ولا إذلالًا، بل رحمةً جعلته يرى شيئًا لم يكن يراه من قبل.
وهكذا تفعل الرحمة حين تكون لله وفي الله؛ لا تعني ضعفًا، ولا تعني إلغاء العدل، ولا تعني أن الخطأ يصبح صوابًا. الرحمة الحقيقية أن تعرف أن الله عادلٌ لا يظلم، رحيمٌ لا يضيع عباده، حكيمٌ لا يقدّر شيئًا عبثًا، وغفورٌ يفتح باب التوبة لمن رجع إليه.
إن رحمة الله لا تعني أن يعيش الإنسان مصرًا على الخطأ ثم يطالب بالمغفرة، وإنما تعني أن باب التوبة مفتوح، وأن الإنسان يستطيع أن يخلع عنه ثوب الأمس، ويعود إلى ربه بقلبٍ صادق.
ولهذا لا تجعل ذنبًا قديمًا يختصر حياتك كلها، ولا تجعل كلمةً قالها أحدهم عنك تصبح تعريفًا أبديًا لشخصيتك، ولا تجعل سقوطك في الطريق دليلًا على أنك لا تصل.
فقد يكون الإنسان أقرب إلى الله في لحظة ندم صادقة من قربه في سنواتٍ طويلة لم يعرف فيها معنى الانكسار.
وما أعجب الإنسان حين يظن أن الله لن يغفر له، وكأنه جعل رحمته سبحانه مساويةً لقدرة البشر!
الله سبحانه ليس كخلقه. هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنزّه عن الشبيه والمثيل، الكامل في رحمته وحكمته وعدله. إليه ترفع القلوب حاجاتها، وإليه يرجع التائبون، وعنده لا تضيع دمعة صادقة ولا دعوة مخلصة ولا خطوة عودة.
وربما كانت أجمل لحظة في حياة إنسانٍ ضل طويلًا، هي اللحظة التي يكتشف فيها أن الطريق إلى الله لم يكن يحتاج منه إلا أن يعود.
فإذا أخطأت… تب.
وإذا سقطت… انهض.
وإذا انكسر قلبك… فلا تأخذه إلى اليأس.
خذه إلى الله.
فالله أرحم بك من ضعفك، وأعلم منك بنفسك، وأحكم في أمرك، وأوسع رحمةً من كل ما تتخيله.
وحين تعرف ذلك، لن تنظر إلى الحياة باعتبارها سلسلةً من العقوبات، بل باعتبارها فرصًا متتابعة للعودة، والتوبة، والإصلاح، والإحسان.
رحمة الله ليست بابًا صغيرًا يقف عليه قلة من الناس؛ إنها فضلٌ واسع، فتحه الله لعباده، فلا تكن أنت من يغلقه على نفسه باليأس.
bismallah34@gmail.com
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



