بقلم: أبو طالب محمد دغريري
ثمة رجالٌ لا يكتفون بالعيش في زمانهم، بل يصرون على حراسة الزمان كله، ومقاومة محو الأيام لملامح الراحلين. وفي قرية “الدغارير” والقرى المجاورة لها، يقف الأستاذ عبدالله يحيى حسين دغريري كحارسٍ أمين للذاكرة الجمعية، راعياً لمشروع إنساني فريد يسعى لتوثيق تاريخ الإنسان والمكان عبر أرشيف فوتوغرافي شامل لا يستثني أحداً.
لم تكن الكاميرا في يد الأستاذ عبدالله مجرد أداة لالتقاط الصور، بل كانت وثيقة انتمائه لأهله ومجتمعه؛ فقد كرس جهده لتتبع وجوه الأبناء، والآباء، والأجداد، راصداً اللحظات العابرة التي تصبح مع مرور السنين إرثاً لا يُقدّر بثمن. حتى أضحت خزانة صوره مقصداً لكل من هزّه الشوق لرؤية ملامح جده، أو استعادة صورة قديمة لأبيه في صباه.
بل إن الطريف والمبهج في أرشيفه أنه لم يكتفِ برصد الماضي وحده؛ إذ تجد صور المعاصرين من أبناء اليوم حية حاضرة في أدراجه، وكأنه يوثق الحاضر بعين المحب قبل أن يغدو غداً ذكريات! فتذهب إلى “أبي مهند” تسأله عن الأمس أو اليوم، لتجد لديه مبتغاك، وكأن تاريخ “الدغارير” بأجياله المتعاقبة يتنفس بين يديه.
إن ما يقدمه الأستاذ عبدالله دغريري يتجاوز البُعد التوثيقي التقليدي؛ إنه يقدم خدمة جليلة للوجدان المجتمعي، تتجلى آثارها النفسية والاجتماعية في جوانب عدة:
ترسيخ الهوية والروابط: تسهم هذه الصور في تعزيز الشعور بالانتماء لدى الأجيال الجديدة، وحين يرى الشاب صورة سلفه، يستشعر امتداده الجغرافي والإنساني في هذه الأرض.
إحياء الوفاء للراحلين والاحتفاء بالأحياء: يمنح هذا الأرشيف الراحلين خلوداً مستحقاً، ويجعل المعاصرين يشعرون بأن لحظاتهم الحاضرة مقدّرة ومحفوظة في ذاكرة المكان.
جسر للتواصل الاجتماعي: أصبحت هذه الصور وسيلة لاستعادة الأحاديث وتنشيط الذاكرة المشتركة في المجالس، مما يعزز اللحمة الاجتماعية بين أبناء القرية وجيرانها.
إن حماية الذاكرة المحلية من التلاشي في زمن التغيرات السريعة واجبٌ إنساني جليل، وقد حمل الأستاذ عبدالله هذا العبء بنبل وشغف. تحية تقدير وإجلال لهذا الجهد المستدام، ولكل يدٍ تدرك أن صور الأمس والحاضر هي الرصيد الحقيقي لوعي الغد.
حارس الذاكرة الضوئية



