بقلم ــ لمار العامري
نعيش في زمنٍ لا يكاد يترك لنا مساحة للصمت؛ إشعارات تتوالى، ومقاطع قصيرة تتعاقب، ورسائل يُنتظر الرد عليها فورًا. أصبحنا محاطين بالأصوات إلى الحد الذي جعل الصمت يبدو غريبًا، بل وربما غير مريح. لكن ماذا لو جرّبنا أن نبتعد عن هذا الضجيج قليلًا؟ ماذا سنكتشف حين لا يبقى حولنا سوى الصمت؟
جرّب ألا تستعمل هاتفك ليوم واحد فقط، لتكتشف كيف امتلأت حياتنا بالكثير من الإشعارات، والمقاطع القصيرة، والرسائل التي يُرد عليها فورًا.
حين تقفل هاتفك، ستشعر في الساعة الأولى بالتوتر وعدم القدرة على التحمل دون وجود أي تنبيه. ستصل يدك تلقائيًا إلى جيبك في حركة آلية لا واعية، كأنك تبحث عن عضوٍ مفقود. غير أنه مع حلول الساعات التالية، ستبدأ بالبحث عما يمكنك فعله بدون هاتفك، بتوتر أقل حدة من قبل؛ ربما تعيد ترتيب أوراقك، أو تنظر من النافذة لترى تفاصيل الشارع التي لم تلاحظها منذ سنين. ومع مرور الوقت، يختفي كل ما كان يقلقك؛ فلا ترى الإشعارات، ولا العتابات، ولا حتى الملل، بل ستبدأ رحلة البحث عما يجعلك أقوى في نظر نفسك.
تأملتُ هذا الحرمان الاختياري حين قررتُ خوض تجربة الاغتراب عن شاشتي. في البدء، كان الغياب يُشبه طنينًا هادئًا يُلحّ عليّ بالعودة، كأنني أفقد صلتي بالعالم، أو أن هناك حدثًا مهمًا يفوتني في هذه اللحظة بالذات. ولكن بعد مضي بضع ساعات، بدأت الجدران تتكلم بلغة أخرى، واستعادت الأشياء الصامتة حولي حضورها؛ صوت الستائر وهي تتحرك مع الهواء، ودفء فنجان القهوة بين يدي.
خرجتُ لأمشي دون هدف، أراقب الوجوه المارة دون أن يقطع تأملي صوت تنبيه، كما أصغيتُ للريح ولخطواتي على الأرض، ولأول مرة منذ وقت طويل، رأيت ألوان الغروب حقيقية، لا من خلال عدسة الكاميرا.
وبناءً على ذلك، اكتشفتُ أننا لم نعد نخشى الفراغ لذاته، بل نخشى مواجهة ما يُخبئه الفراغ في أنفسنا. إن الضجيج لم يكن مجرد وسيلة للتسلية، بل كان خيارًا مريحًا لتخدير عقولنا عن التفكير الجاد. لقد كان الصمت مرآة حقيقية؛ أظهر لي كل المخاوف والأفكار المؤجلة والأسئلة المعلقة التي كنتُ أهرب منها بالإبحار اللانهائي في مشاهد الآخرين.
وفي تلك اللحظات بالذات، شعرتُ بتصالح أعمق مع ذاتي، وكأن عقلي يتنفس لأول مرة منذ سنوات. أدركت حينها أن التجرد من الهاتف ليس مجرد حيلة لقتل الوقت، ولا دعوة للانعزال عن العالم الحديث، بل هو تذكير حيّ بأننا كائنات تُدرك العالم بحواسها، لا بلمس الزجاج.
لذا، فإن الصمت الذي تبدأ به يومك ليس مجرد غياب للصوت، وإنما هو الوقت الوحيد الذي يهدأ فيه عقلك ليفكر بصوت واضح، ويعيد ترتيب أولوياته بعيدًا عن صخب الآخرين.
وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى مزيدٍ من الأصوات بقدر حاجته إلى لحظاتٍ يسمع فيها نفسه؛ فربما كانت الإجابات التي نبحث عنها في الخارج تنتظرنا منذ زمن في الداخل، ولم يمنعنا من سماعها إلا هذا الضجيج.



