ماذا لو كان ما أوجعك… هو ما أنقذك؟!!

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

هناك أوجاعٌ لا تأتي لتقتلنا، وإن بدت في لحظتها كأنها جاءت لتفعل ذلك. بعضها يقتلع من القلب وهمًا قديمًا، وبعضها يغلق بابًا ظللنا نطرق عليه حتى نزفت أيدينا، وبعضها يسحب من طريقنا أشخاصًا كنا نظن أن حياتنا لا تكتمل دونهم. ثم نمضي أيامًا أو أعوامًا ونحن نسأل: لماذا حدث هذا؟ ولماذا لم يمنحني الله ما أردت؟ ثم يأتي يومٌ نلتفت فيه إلى الوراء، فنكتشف أن الشيء الذي بكينا عليه طويلًا كان يحمل في داخله شيئًا من النجاة.

المشكلة أننا نريد لطف الله بالشكل الذي نختاره نحن؛ نريد الفرج فورًا، والجواب واضحًا، والباب مفتوحًا، والطريق مستقيمًا بلا منعطفات. وإذا تأخر ما نريد، بدأنا نفاوض الحياة كأنها موظف خدمة عملاء: لماذا لم يصل طلبي حتى الآن؟!

لكن الله سبحانه لا يُقاس تدبيره بعجلة الإنسان، ولا تُحد حكمته بما تراه أعيننا في اللحظة العابرة. هو الواحد الأحد، لا شريك له، المنزّه عن الظلم والنقص، الرحيم بعباده، العليم بما يصلحهم، الحكيم في أفعاله، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وهذه الآية ليست وعدًا بأن الحياة ستخلو من الألم، وإنما تفتح في قلب المؤمن معنى أعظم: أن الإنسان حين يتوكل على الله لا يصبح بلا مشكلات، لكنه لا يعود وحيدًا أمامها؛ يأخذ بالأسباب، ويسعى، ويجتهد، ثم يترك ما لا يملك لله، لأنه يعلم أن الله بالغ أمره، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء.

ولهذا قال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك».

تأملها جيدًا: كم من شيءٍ ظننته خسارة، ثم اكتشفت بعد سنوات أنه كان حماية؟ وكم من بابٍ أغلقته الحياة في وجهك، ثم حمدت الله أنك لم تدخله؟ وكم من أمنيةٍ كنت تراها خلاصك، ثم اكتشفت أن تحققها كان سيضعك في طريقٍ لم تكن تعرف كيف تخرج منه؟

نحن لا نعرف الغيب، وهذه نعمة قبل أن تكون حدودًا؛ لأن الله سبحانه لم يكلّفنا أن نعرف كل ما سيحدث، وإنما كلفنا أن نعبده، ونحسن العمل، ونأخذ بالأسباب، ونحسن الظن به.

وقد عرفت سيرة المسلمين الأوائل نماذج عظيمة لهذا اليقين. ومن أبلغها قصة أم سلمة رضي الله عنها حين فقدت زوجها أبا سلمة، وكانت مصيبتها شديدة، ثم تذكرت دعاء النبي ﷺ عند المصيبة: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها». ولم تكن تعلم وهي تدعو ماذا يمكن أن يعني «خيرًا منها»، حتى أكرمها الله بعد ذلك بزواجها من رسول الله ﷺ.

لم تكن تعرف أن بابًا أُغلق في حياتها سيفتح لها بابًا أعظم. ولم يكن الحزن في بدايته يحمل لها عنوان النهاية، بل كانت وراءه حياة جديدة لم تكن تستطيع أن تراها وهي في قلب المصيبة.

وهكذا الإنسان.

يبكي على وظيفة، ثم يجد عملًا أفضل.

يبكي على علاقة انتهت، ثم يكتشف أنه نجا من حياة لم تكن تشبهه.

يحزن على مشروع فشل، ثم يبدأ مشروعًا أكثر نضجًا.

يتألم من تأخيرٍ لم يفهمه، ثم يأتيه الخير في الوقت الذي يستطيع فيه حمله.

ليس معنى ذلك أن كل ألمٍ جميل، ولا أن علينا أن نبتسم في وجه المصيبة ونزعم أنها لا تؤلم. الإيمان ليس مسابقة في إخفاء الدموع. المؤمن يحزن، ويبكي، ويتألم، لكنه لا يجعل الألم حاكمًا على علاقته بالله.

وهنا الفرق بين الإنسان الذي يؤمن بالله والإنسان الذي يترك نفسه لليأس: الأول يقول «لا أفهم»، لكنه لا يقول «لا أثق». والثاني حين لا يفهم، يبدأ في الشكوى من كل شيء.

يا لها من مشكلة اجتماعية نعيشها كل يوم! نحن لا نعاني فقط من الأحداث، بل نعاني من رغبتنا في تفسير كل شيء فورًا. إذا تأخر الزواج قال الإنسان: لماذا؟ وإذا تعثرت الوظيفة قال: لماذا؟ وإذا انتهت علاقة قال: لماذا؟ وإذا تأخر رزق قال: لماذا؟

وكأن الإنسان يريد من الله كشف أوراق الحكمة قبل انتهاء المباراة!

لكن بعض الإجابات لا تُعطى بالكلام، بل تُعطى بعد أن نمضي في الطريق.

وقد قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «ما لا يقتلني يجعلني أقوى.» ومع أن الإيمان أعمق من هذه العبارة وأوسع منها، فإن فيها لمحةً عن قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى قوة. أما المؤمن، فيضيف إلى هذه القوة معنى أسمى: قد لا يكون الألم وحده هو الذي يصنع قوتنا، بل قد يكون ما نتعلمه من الألم، وما يقودنا إليه من مراجعةٍ وتوبةٍ ونضجٍ وصبرٍ وتعلقٍ بالله.

وقال الفيلسوف الروماني سينيكا: «الصعوبات تقوّي العقل، كما يقوّي العمل الجسد.» ونحن في حياتنا الاجتماعية بحاجة إلى أن نتعلم من الصعوبات بدل أن نقيم لها مأتمًا دائمًا. ليس المطلوب أن نحب الوجع، وإنما أن نخرج منه بشيء لا يستطيع الوجع أن ينتزعه منا.

قد يكون هذا الشيء قلبًا أكثر رحمة.

أو عقلًا أكثر نضجًا.

أو علاقةً أقرب إلى الله.

أو قدرةً على مسامحة من أساء.

أو شجاعةً تقول: سأبدأ من جديد.

ولعل أجمل ما في لطف الله أنه لا يأتي دائمًا بالطريقة التي نتوقعها. قد يكون اللطف في أن يُمنع عنك ما طلبته، وفي أن تُصرف عن طريقٍ كنت تظنه خلاصك، وفي أن تتأخر أمنية حتى تصبح أنت مستعدًا لها، أو أن تُغلق أمامك نافذة حتى تبحث عن بابٍ آخر.

والإنسان، بطبيعته، يرى الباب المغلق ويغضب، ولا يرى أحيانًا الطريق الذي فتحه الله له بجانبه.

ومن هنا تبدأ حكمة التوحيد في تهذيب القلب: لا تتعلق بالأسباب وحدها، ولا تجعل الأشخاص مصدر أمانك المطلق، ولا تجعل المال ضمانتك النهائية، ولا تجعل الوظيفة تعريفك لنفسك، ولا تجعل علاقةً واحدة تختصر العالم كله.

الأسباب مهمة، والناس لهم فضلهم، والعمل مطلوب، لكن القلب لا ينبغي أن يعبد شيئًا من ذلك. القلب لله وحده.

فإذا أعطى الله فبفضله.

وإذا منع فبحكمته.

وإذا أخر فبعلمه.

وإذا فتح فبرحمته.

وإذا صرف عنك شيئًا، فلا تتعجل اتهام الطريق؛ فقد يكون الله سبحانه يحفظك من شيء لا تعرفه.

وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به: ماذا لو كان نجاتك في الشيء الذي أوجعك؟

ماذا لو كانت تلك الخسارة هي التي أعادتك إلى نفسك؟

ماذا لو كان ذلك الباب المغلق هو الذي دفعك إلى الطريق الصحيح؟

ماذا لو كان ذلك الفشل هو الذي علّمك ما لم تكن لتتعلمه في النجاح؟

ماذا لو كان ذلك الرحيل قد ترك في قلبك مساحةً لم تكن لتعرف فيها قيمة البقاء؟

لا نملك كل الإجابات، لكننا نملك الإيمان بالله.

وهذا يكفي كي نمضي.

فلا تجعل وجعًا واحدًا يكتب نهاية قصتك، ولا تجعل خسارةً واحدة تقنعك بأن الله لم يرحمك، ولا تجعل تأخر ما تحب يسرق منك حسن الظن بمن يحبك أكثر مما تعرف.

ربما ستفهم غدًا ما لا تفهمه اليوم.

وربما ستشكر الله يومًا على شيءٍ بكيت منه طويلًا.

وربما ستنظر إلى أكثر أيامك ألمًا، فتقول: الآن فهمت لماذا كان عليّ أن أمر من هنا.

فلا تتعجل الحكم على ما يحدث لك.

خذ بالأسباب، واثبت، وادعُ الله، وأحسن الظن به، ثم امضِ.

فإن كان الله هو ربك، فلا تجعل لحظةً عابرة تهزم يقينًا عظيمًا.

قد يوجعك الطريق، وقد تخسر شيئًا كنت تظنه حياتك، وقد تتأخر عنك الإجابة التي انتظرتها طويلًا؛ لكن الله سبحانه لا يغيب عنك لحظة، ولطفه لا يحتاج إلى أن تراه حتى يكون موجودًا. وربما كان الشيء الذي أوجعك هو نفسه الشيء الذي أنقذك من وجعٍ أكبر.

وحين تعرف ذلك، لن تقول للحياة: لماذا فعلتِ بي هذا؟

سترفع قلبك إلى الله وتقول: الحمد لله… لعلّني لم أفهم، لكنني أثق بك.

“bismallah34@gmail.com”

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top