الحياة التي تأتي بعد الفقد

بقلم: لمار العامري

في اليوم الأول بعد الفقد راودني سؤال واحد فقط: كيف سأعيش؟ كيف سأواصل عبور عقبات الحياة دون أن أسمع رنين صوته، أو دون يقيني بأنني سأدخل عتبة ذلك المنزل فأراه، وأخبره بكل ما جال في خاطري في تلك اللحظة؟
‎في الأيام الأولى بعد رحيل شخص نحبه، يحيط بنا الجميع. تتكرر عبارات المواساة، وتكثر الزيارات، ويبدو الحزن واضحًا لكل من حولنا. لكن مع مرور الوقت يعود الجميع إلى حياتهم، بينما تبدأ معركة مختلفة، معركة لا يراها أحد؛ إنها معركة الاعتياد على الغياب.
‎مرت ثلاثة أشهر. لم يعد الألم كما كان في بدايته، أصبح أخفّ، لكنه لم يختفِ، وأصبح أهدأ، لكنه لم يتوقف. وأصبحت على يقين بأن الحياة بعد الفقد ليست كما كانت قبله، وأن الإنسان يتغير مهما حاول أن يبقى كما هو.
‎نقف طويلًا بين الماضي والحاضر، نحاول أن نفهم كيف يمكن للعالم أن يبدو طبيعيًا بينما ينقصه شخص كان بالنسبة لنا كل شيء. نمارس حياتنا، نذهب إلى أعمالنا، نبتسم أحيانًا، لكن هناك جزءًا منا بقي عالقًا في تلك اللحظة التي قيل فيها: «لقد رحل».
‎والغريب أن الحياة لا تمنحنا فرصة للتوقف طويلًا. تستمر الدراسة، وتستمر الأعمال، وتمتلئ الشوارع بالناس، ويضحك الآخرون وكأن شيئًا لم يتغير. عندها يكتشف الإنسان أن العالم لا يتوقف من أجل حزن أحد، وأن عليه أن يسير معه، حتى وإن كانت خطواته أثقل مما كانت.
‎لم أتوقف عند تلك اللحظة كما كنت أتوقع، بل بدأت أحاول أن أعيش الحياة التي تمناها لي، وأن أُحلي مرارتها بما أستطيع، وأسير نحو مستقبل أجمل مما كنت أظن. أدركت أن الاستمرار لا يعني أنني تجاوزت، بل يعني أنني أحمل حزني وأسير به.
‎يعتقد البعض أن النسيان هو نهاية الحزن، لكن الحقيقة أن أغلب من فقدوا أحباءهم لا يبحثون عن النسيان أصلاً، بل يخافون منه. لأن النسيان يبدو وكأنه فقدٌ آخر، وكأن الذكريات هي آخر ما تبقى من الشخص الذي رحل. لذلك يتمسك الإنسان بأبسط التفاصيل؛ بصورة قديمة، أو رسالة، أو صوت، أو حتى عادة صغيرة كان يشاركها مع من يحب.
‎ومع مرور الوقت، يتغير الحزن دون أن يختفي. لا أقول إن دمعتي جفت يومًا، لكنها لم تعد كما كانت في البداية. أصبح الحزن حاضرًا في التفاصيل الصغيرة؛ في رائحة عطر، أو دعاء، أو مناسبة عائلية، أو مقعد اعتاد شخص ما الجلوس عليه. تصبح الذكريات جزءًا من الحياة اليومية، لا تزول، بل تعيش معنا بصمت، وتذكرنا بمن أحببنا.
‎قد يغير الفقد ملامح حياتنا، لكنه لا ينبغي أن يسلبنا حياتنا. فالراحلون لا يعودون، لكن أثرهم يبقى، والدعاء لهم لا ينقطع، والصبر هو الجسر الذي نعبر به من شدة الألم إلى سكينة الرضا. نمضي، لا لأننا نسينا، بل لأن الله أمرنا بالصبر، ولأننا نؤمن أن لكل فراق لقاء عنده سبحانه، وأن ما عند الله خير وأبقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top