حين يغلق الله بابًا، لا يعني ذلك أن الحكاية انتهت؛ فربما كان الإغلاق أول سطرٍ في رحمةٍ لم تتعلم عيناك قراءتها بعد…
راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي
أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يدفن الحكاية قبل أن يفرغ الله من كتابتها. أن يرى بابًا أُغلق، فيعلن نهاية الطريق، وأن يرى دمعةً سقطت، فيظن أن الفرح مات معها. نحن بارعون في إصدار الأحكام على الغد، مع أننا لا نملك منه دقيقة واحدة؛ نُشيّع أحلامنا إلى قبورها، ثم نجلس بجوارها نمارس هوايتنا القديمة في الحزن، وكأننا تلقينا تفويضًا رسميًا لإدارة المجهول. ثم يأتي لطف الله هادئًا، عظيمًا، لا يستأذن توقعاتنا، ليكشف لنا أن ما حسبناه خاتمة لم يكن إلا منعطفًا في قصة لم نعرف فصولها بعد.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1].
والآية في سياق أحكام الطلاق والرجعة، وفيها إمهال وحكمة ورحمة؛ إذ لا يدري الإنسان ما قد يحدث بعد الطلاق، ولعل الله يغيّر الحال ويجعل الرجعة ممكنة. وقد ذكر المفسرون أن المقصود بالأمر هنا الرجعة وما يطرأ من تغير في قلب المطلق خلال العدة.
لكن هذه العبارة القرآنية، وهي في سياقها الشرعي الدقيق، تفتح أمام المؤمن معنى إنسانيًا بالغ العمق: لا تستعجل الحكم على ما لم يكتمل.
فكم من إنسان قال: انتهى كل شيء، ثم اكتشف أن شيئًا آخر بدأ. وكم من قلبٍ بكى على بابٍ أُغلق، ثم حمد الله لأنه لم يدخل منه. وكم من شخص ظن أن خسارته كانت نهاية حياته، فإذا بها بداية حياة أكثر اتزانًا ونضجًا ووعيًا.
نحن نرى اللحظة، والله يعلم ما وراء اللحظة. نحن نعرف الجرح، والله يعلم ما سيخرج منه. نحن نرى الباب المغلق، والله سبحانه يعلم أين تكون المصلحة، وهو الواحد الأحد، لا شريك له، الحكيم في أمره، الرحيم بعباده، اللطيف بهم، الذي لا يظلم أحدًا ولا يضيع عنده شيء.
وهنا تبدأ المشكلة الكبرى: نحن نريد من الله أن يشرح لنا الحكمة قبل أن نثق به.
نريد الخريطة كاملة، والنتيجة مكتوبة، والموعد محددًا، ثم نقول: الآن اطمأن قلبي!
يا لهذا الإنسان العجيب! يريد أن يقرأ آخر صفحة من القصة ثم يقرر إن كان سيستمتع ببدايتها.
والإيمان أعمق من ذلك بكثير. أنت لا تعبد الله لأنك فهمت كل شيء؛ بل تعبد الله لأنه الله. الواحد الذي لا شريك له، الغني عن خلقه، الحكيم الذي لا يفعل شيئًا عبثًا، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء. ولذلك كان حسن الظن بالله ليس سذاجة، بل عبادة قلبية عظيمة؛ أن تعمل، وتسعى، وتدعو، ثم تترك ما لا تملك لمن يملك كل شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
تأمل كلمة: «لا يحتسب».
أي أن الإنسان قد يبحث عن مخرجه في اتجاه، بينما يفتح الله له بابًا لم يكن داخل حساباته أصلًا.
ولهذا قال رسول الله ﷺ: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك».
ليست هذه الكلمات دعوة إلى أن يجلس الإنسان واضعًا يديه تحت خده منتظرًا أن تُنجز الحياة عنه واجباتها. لا. التوكل ليس كسلًا، وحسن الظن بالله ليس هروبًا من المسؤولية. اسعَ، تعلّم، اعتذر، أصلح، جرّب، اطرق الأبواب، وابذل ما تستطيع، ثم لا تجعل قلبك أسيرًا للنتيجة؛ لأنك مهما بالغت في التخطيط، ستظل عبدًا لله، لا مالكًا للغيب.
ولنا في خَبّاب بن الأرت رضي الله عنه صورة إنسانية شديدة الدلالة. فقد ذاق هو وأصحابه من أذى قريش ما ذاقوا، حتى شكا إلى النبي ﷺ شدة ما يجد، فذكّره النبي ﷺ بأن أهل الإيمان قبلهم كانوا يُبتلون بأشد من ذلك، وأن الله سيتم هذا الأمر، ثم قال: «ولكنكم تستعجلون».
كان خباب يرى الألم حاضرًا، والنبي ﷺ يذكّره بأن الله قادر على أن يجعل بعد هذه الشدة فرجًا وتمكينًا.
وهنا الفرق بين عينٍ ترى اللحظة وقلبٍ يعرف ربه.
فقد يكون الواقع ثقيلًا جدًا، لكن الله ليس عاجزًا عن تغييره. وقد تكون الأبواب كلها مغلقة في نظرك، لكن الله سبحانه لا تعجزه الأسباب ولا تحده حسابات البشر. وقد يطول الانتظار، لكن طول الانتظار لا يعني غياب رحمة الله.
وفي زمننا هذا، تتكرر الحكاية كل يوم، ولكن بملابس مختلفة.
شاب يرفضه سوق العمل مرات كثيرة، فيبدأ بالشك في نفسه. إنسان يخسر مشروعًا، فيظن أن أحلامه انتهت. امرأة تفشل تجربة عاطفية، فتعتقد أن قلبها فقد فرصته الأخيرة. رجل يخسر صديقًا كان يظنه عمره كله، فيكتشف بعد سنوات أن الله أنقذه من علاقة لم تكن تناسب قلبه.
ثم يحدث شيء لم يكن في الحساب.
وظيفة جديدة. مشروع أفضل. إنسان أصدق. طريق أكثر نضجًا. أو حتى قلب جديد يعرف قيمة النعمة بعدما ذاق مرارة فقدها.
وقد قال الفيلسوف إبكتيتوس بمعنى مشهور في حكمته: ليست الأحداث وحدها هي التي تؤلم الإنسان، وإنما نظرته إليها وطريقة تعامله معها. وقال مونتين إن الإنسان كثيرًا ما يحمل في حياته مصائب لم تقع أصلًا.
وهذا صحيح على نحو مؤلم؛ فنحن أحيانًا لا نعاني من الواقع بقدر ما نعاني من الرواية التي اخترعناها عنه.
نخاف من الغد قبل أن يأتي، ونحزن على ما لم يحدث، ونعلن إفلاس الأمل لأن أمنية واحدة تأخرت.
ثم يأتي الله سبحانه، فيغيّر المعادلة كلها.
ليس بالضرورة بالطريقة التي طلبناها، ولا في الوقت الذي حددناه، ولا من الباب الذي ظللنا نطرقه حتى كادت أيدينا تتعب.
وهذه هي المفاجأة الجميلة: أن الله لا يحتاج إلى إذن توقعاتنا حتى يفتح لنا أبواب رحمته.
لذلك لا تجعل خسارة واحدة تختصر حياتك، ولا تجعل تأخر أمنية حكمًا نهائيًا على مستقبلك. ولا تجعل تجربة مؤلمة تفسر لك كل العالم. أنت لا تعرف ماذا سيحدث غدًا، ولا تعرف أي قرار صغير قد يقودك إلى تحول كبير، ولا تعرف كيف يبدّل الله الأحوال، ويهدي القلوب، ويفتح السبل.
وإذا ضاقت بك الحياة، فلا تقل: «انتهى كل شيء».
قل: «لا أدري».
هذه الكلمة ليست ضعفًا.
إنها اعتراف جميل بعبوديتك لله.
لا أدري ماذا سيحدث، لكن الله يدري. لا أدري أين الخير، لكن الله أعلم. لا أدري لماذا تأخر الأمر، لكن الله حكيم. لا أدري لماذا أُغلق هذا الباب، لكن الله سبحانه لا يعجزه أن يفتح غيره.
وحين تستقر هذه الحقيقة في القلب، يتغير الإنسان.
يتوقف عن مطاردة ما ليس له، ويتوقف عن جلد نفسه على ما خرج من يده، ويتوقف عن المحاكمة بمنطق اللحظة.
فالله سبحانه وتعالى لا يُقاس فعله بعجلة الإنسان، ولا تُفهم رحمته دائمًا من أول مشهد. وقد يكون الشيء الذي أبكاك طويلًا هو نفسه الشيء الذي ستشكر الله عليه طويلًا حين تتضح لك الحكمة.
فلا تستعجل دفن ما لم يمت، ولا تطفئ آخر مصباح في قلبك لأن الطريق أظلم قليلًا. لا تجعل اليوم قاضيًا على الغد، ولا تجعل خسارة عابرة تكتب لك نهاية العمر.
الله وحده يعلم تتمة الحكاية.
وربما أنت الآن تقف أمام جملة لم تكتمل، وتظن أن آخرها نقطة، بينما الله سبحانه يعلم أنها فاصلة.
وربما الشيء الذي تبكي عليه اليوم سيكون غدًا من أكثر الأشياء التي تحمد الله عليها.
وربما ستلتفت بعد سنوات إلى هذه الأيام، لا لتقول: «لماذا حدث هذا؟»، بل لتقول بامتنان عميق: «الآن فهمت لماذا لم يحدث ما كنت أريده».
فلا تقل: انتهت.
قل: لا أدري ماذا يُحدث الله بعد ذلك.
ثم امضِ.
اسعَ بقلب المؤمن، واصبر بقلب العارف بربه، وأحسن الظن بالله الواحد الأحد، واترك له ما لا تملك.
فقد لا يعطيك الله ما طلبت بالطريقة التي تخيلتها، لكنه سبحانه قادر أن يفتح لك من رحمته ما يجعلك بعد حين تحمده لأنك لم تحصل على ما كنت تظنه نجاتك.
وما دمت تقول: يا رب، فلا تتصرف كأن الحكاية انتهت.
فالله، وحده، يستطيع أن يُخرج من اللحظة التي حسبتها نهايةً بدايةً تليق بكل هذا الصبر.
“bismallah34@gmail.com”
الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438



