لمن صدر المجلس؟

مع نهاية الإجازة الصيفية المدرسية، التي شهدت هذا العام كما في كل عام موسماً حافلاً بالزواجات والمناسبات الاجتماعية، تبدو بعض الظواهر التي ترافق هذه المناسبات أكثر وضوحاً، ومن بينها ظاهرة لم تكن بهذا الحضور اللافت من قبل، وهي ما يمكن أن نسميه “التسابق على صدر المجلس”.
وصدر المجلس، كما يعرفه أهل العرف والمجالس، لم يكن يوماً مجرد مقعد في مكان مميز، ولا مساحة يتقدم إليها من سبق إليها، وإنما كان له معنى اجتماعي راسخ، تحكمه اعتبارات الاحترام والتقدير والمكانة والعمر والعلم والخبرة والقرابة من أصحاب المناسبة، أو ما يتمتع به الضيف من قدر ومقام يجعله موضع تقدير بين الحاضرين؛ ولذلك كان من المألوف أن يتصدر المجلس كبار السن، أو كبار أهل العرسان، أو الضيوف الذين لهم شأن ومكانة، أو أهل العلم والرأي، أو من كان من “أهل الحل والربط” الذين يحظون بتقدير المجتمع؛غير أن المشهد في بعض المناسبات الاجتماعية بدأ يتغير، وأصبحنا نرى من يتعامل مع صدر المجلس وكأنه استحقاق شخصي لا علاقة له بأعراف المجالس ولا بآداب الضيافة؛ والأغرب أن بعض هؤلاء يعتقد أن ارتداء “البشت” وحده يمنحه الحق في أن يكون في مقدمة المجلس، وكأن قيمة الرجل تُقاس بموقع كرسيه، أو بطول المسافة التي تفصله عن بقية الحاضرين!
والحقيقة أن “البشت” وجاهة، لكنه لا يصنع الوجاهة، والمكان لا يرفع الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يرفع المكان بأخلاقه وعلمه وحضوره وقدرته على احترام الآخرين؛ فما أجمل ذلك المعنى الذي تختصره العبارة المتداولة” صدر المجلس حيث أجلس”؛ فالمكانة الحقيقية ليست في الكرسي، وإنما فيما يحمله الإنسان من قدر وقيمة واحترام؛ ومن صور هذه الظاهرة التي أصبحت تستوقف كثيرين أن يأتي أحد الضيوف إلى المناسبة مبكراً جداً، لا رغبة في مشاركة أهل المناسبة فرحتهم فحسب، وإنما خشية أن يسبقه غيره إلى المكان الذي يراه حقاً مكتسباً له؛ وقد يصل الأمر لدى بعضهم إلى أن يختار مقعده منذ وقت مبكر، ثم يظل محافظاً عليه وكأنه يحرس موقعاً لا يجوز الاقتراب منه؛ والأشد غرابة أن يحرص بعضهم على الحضور قبل وقت المناسبة بوقت طويل، وربما أدى صلاة المغرب والعشاء في قاعة الأفراح، لا لشيء إلا حتى يضمن بقاء المقعد الذي اختاره لنفسه!
ولا تقف المسألة عند هذا الحد، فهناك من يحضر ومعه أحد أبنائه أو أقاربه من صغار السن أو الشبان، ثم يحرص على أن يجعله إلى جواره، بل وربما أحاط نفسه بأكثر من شخص عن يمينه ويساره، وكأنه يريد أن يعلن للحاضرين أن هذه المساحة ملك خاص له ولمن اصطحبهم، في حين أن المجلس في الأصل مساحة مفتوحة للضيوف، وأهل المناسبة هم أصحاب الحق في ترتيبها بما يرونه مناسباً؛ وقد يبدو الأمر في ظاهره بسيطاً، وربما قال قائل: وما المشكلة في أن يجلس الإنسان حيث يشاء؟ لكن المشكلة ليست في المقعد ذاته، وإنما في السلوك الذي يكشف أحياناً عن رغبة شديدة في لفت الانتباه وإثبات الذات، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعر أصحاب المناسبة أو راحة ضيوف آخرين؛ فأهل المناسبة قد يجدون أنفسهم في موقف محرج؛ لأنهم لا يريدون إحراج ضيف أو إبعاده عن المكان الذي اختاره، وفي الوقت نفسه يعرفون أن هناك من هو أولى منه بذلك المكان بحكم السن أو القرابة أو المكانة أو صلته المباشرة بالمناسبة؛ وهنا تظهر قيمة الذوق الاجتماعي، الذي لا تكتبه اللوائح ولا تفرضه التعليمات، وإنما يتعلمه الإنسان من أسرته ومجتمعه وتجربته في الحياة؛ فالإنسان الراقي لا يحتاج إلى من يقول له: “اجلس هنا”، ولا يتقدم إلى المكان لمجرد أنه يستطيع الوصول إليه، بل يعرف متى يتقدم ومتى يتأخر، ومن الأولى بالتقديم، ومتى يكون جلوسه في مكان متقدم تقديراً له، ومتى يكون جلوسه فيه نوعاً من التطفل غير المقصود.
ولعل من المؤسف أن يتحول بعض ما كان في الماضي من علامات التواضع وحسن الأدب إلى نوع من المنافسة الاجتماعية؛ فقد كان الضيف قديماً يترك لأهل المناسبة ترتيب المجلس، ويجلس حيث يُطلب منه، وربما اعتذر عن صدر المجلس إذا رأى أن هناك من هو أولى منه؛ أما اليوم، فإن بعض الناس أصبح يبحث عن صدر المجلس قبل أن يبحث عن أهل المناسبة، وكأن نجاح حضوره يقاس بالمكان الذي جلس فيه، لا بالتهنئة التي قدمها، ولا بالكلمة الطيبة التي قالها، ولا بالمشاركة الصادقة التي عبّر عنها؛ وهذا السلوك لا يسيء إلى صاحبه وحده، بل يقدم أحياناً نموذجاً غير جيد للأبناء والشباب الذين يرافقونه؛ فالطفل أو الشاب الذي يرى والده يتسابق على الكرسي ويتشبث به، قد يتعلم أن المكانة الاجتماعية هي في التقدم على الآخرين، وأن احترام الإنسان مرتبط بموقعه في المجلس، بينما التربية الصحيحة تقول إن احترام الآخرين وتقديرهم هو الذي يصنع مكانة الإنسان.
إن المناسبات الاجتماعية، وخصوصاً الأفراح، وجدت لتجمع الناس على المحبة والمودة وصلة الرحم والتكافل، لا لتكون ساحة لاستعراض المراتب والمظاهر. وما أجمل أن يدخل الضيف إلى مناسبة وهو يحمل معه التواضع قبل “البشت”، والابتسامة قبل المكان، والكلمة الطيبة قبل البحث عن المقعد؛ فذلك هو الحضور الذي يترك أثراً جميلاً في نفوس أصحاب المناسبة؛ ولعلنا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم “أدب المجلس”، لا بوصفه عادات قديمة، وإنما باعتباره جزءاً من الذوق العام الذي ينبغي أن يتطور مع المجتمع ويحافظ في الوقت نفسه على أجمل ما في موروثه؛ فالمجلس ليس مسرحاً للمنافسة على المواقع، ولا منصة لإثبات الذات، وصدر المجلس ليس شهادة تفوق اجتماعي، وإنما مكان يضع فيه أصحاب المناسبة من يرون أنه يستحق التقدير، وفقاً لعلاقاتهم وضيوفهم وأعرافهم.
وفي نهاية الأمر، ليس المهم أين جلس الإنسان، وإنما كيف جلس، وماذا قدم، وكيف ترك أثره؛ فقد يجلس المرء في صدر المجلس ولا يكون في صدور الناس، وقد يجلس آخر في آخر المجلس لكنه يحظى بمحبة الجميع واحترامهم؛ وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا ننساها: المقاعد قد تتقدم بالإنسان خطوات، لكن الأخلاق هي التي ترفعه درجات.
فيا من تتسابقون على صدر المجلس، اتركوا لأهل المناسبة حقهم في اختيار من يتصدر مجلسهم، ودعوا المكان يأخذ معناه الطبيعي دون منافسة أو إحراج؛ فالمجالس لا تكرم الإنسان بالكرسي، وإنما الإنسان هو الذي يكرم المجلس بحضوره وأدبه وتواضعه؛ وربما كان أجمل مقعد يمكن أن يحتله الإنسان في أي مناسبة هو المكان الذي يجلس فيه مرتاح الضمير، محبوباً من الناس، مقدراً لأهل المناسبة، غير منشغل بما إذا كان قد جلس في الصدر أم في آخر الصف.
فهل أصبح السؤال اليوم: لمن صدر المجلس؟ أم أن الأجمل أن نسأل: من يستحق أن يكون في صدر القلوب؟
والله من وراء القصد.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top