الذين يشبهوننا.. والذين ينجون بنا…!!

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

ليست كل علاقةٍ تستحق أن تُسمّى قربًا، ولا كل مسافةٍ تُسمّى جفاءً. هناك وجوه تدخل حياتنا فتخفف وطأتها، ووجوه أخرى لا تأتي إلا لتكشف لنا كم كنا مخطئين حين ظننا أن كثرة المعارف اتساعٌ للحياة. نحن لا نألف الناس لأنهم قريبون منا فقط، بل لأن شيئًا في دواخلنا يجد عندهم ما يشبهه؛ فكرةً، أو خلقًا، أو حلمًا، أو ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى ترجمة. وحين يختلف الداخل عن الداخل، يصبح القرب أحيانًا أكثر قسوة من الغياب. لذلك ليس السؤال: من أحببنا؟ بل: ماذا أصبحنا بعد أن أحببناهم؟

قال الإمام مالك بن دينار: «الناس أجناس كأجناس الطير، وكل إنسان يألف شكله». عبارة تبدو بسيطة، لكنها تضع يدها على حقيقة اجتماعية عميقة: الإنسان غالبًا لا يبحث عن الآخر بقدر ما يبحث عن صدى نفسه فيه. يأنس بالصادق لأنه يحب الصدق، ويطمئن إلى الوفي لأنه يعرف قيمة الوفاء، وينفر من المتلون لأنه يرى في التلون شيئًا يهدد راحته، حتى لو كان ذلك المتلون بارعًا في الضحك والمجاملات.

وقد قال رسول الله ﷺ: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».

لكن الألفة وحدها ليست شهادة صلاح، كما أن النفور ليس حكمًا بالإدانة. فكم من إنسان يشبهك في الحديث ويختلف عنك في الضمير، وكم من مخالف لك في الرأي كان أقرب إلى المروءة منك. إن الألفة الحقيقية لا تُقاس بعدد الضحكات، وإنما بما تتركه الصحبة في الإنسان من أثر.

قد يلتقي شخصان على مائدة واحدة، فيتشابه كلامهما، وتتعالى ضحكاتهما، ويتبادلان المجاملات، ثم ما إن تنتهي المصلحة حتى ينتهي كل شيء. وقد يجلس اثنان مختلفان في الرأي، لا يتفقان في كل شيء، لكن أحدهما يحفظ للآخر غيبته وكرامته وحقه في الاختلاف. عندها يصبح الاختلاف أرقى من ألف اتفاق زائف.

وهنا تظهر الأخلاق باعتبارها المعيار الذي لا يجامل أحدًا.

قال إبيكتيتوس: «لا تطلب أن تسير الأمور كما تشتهي، بل اشتهِ أن تسير كما تسير». وفي العلاقات، ربما كان هذا الدرس أكثر إيلامًا من أي نصيحة أخرى؛ لأننا نريد أحيانًا أن يبقى من نحب مهما تغيّر، وأن يعود من رحل مهما أساء، وأن يعتذر من لا يعرف الاعتذار، وأن يفهمنا من لم يحاول أصلًا أن يفهمنا.

لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.

والله سبحانه وتعالى، الواحد الأحد، الذي لا شريك له، أعلم بعبده من نفسه، وأرحم به من كل من عرفه وأحبه. وقد يمنع الله عن الإنسان علاقة يظنها نجاة، ويصرف عنه إنسانًا يظنه مكسبًا، ثم تمر السنوات فيكتشف أن ذلك المنع كان لطفًا، وأن ذلك الفراق كان حفظًا، وأن ما ظنه خسارة كان بابًا لم يرَ الحكمة خلفه في حينها.

وقد عرف المسلمون الأوائل قيمة الصحبة الصالحة، ولم يكونوا ينظرون إلى القرب باعتباره مجرد مجالسة. ومن الأخبار الدالة على ذلك ما عُرف عن الخليفة عمر بن عبدالعزيز من حرصه على اختيار من يعينونه وينصحونه، لأنه لم يكن يريد حوله من يصفق له، بل من يذكره بالله ويقول له الحق ولو كان ثقيلًا. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يوافقه، وإنما يحتاج إلى من يحميه من نفسه حين تخطئ.

وما أحوجنا اليوم إلى هذه الحكمة!

ففي زمن تستطيع فيه أن تجمع مئات الأسماء في هاتفك، قد تبحث عن إنسان واحد حين يضيق صدرك فلا تجده. تستطيع أن تمتلك قائمة طويلة من الأصدقاء، ثم تكتشف أن بعضهم لا يعرف عنك إلا ما يصلح للنشر، وبعضهم لا يتذكرك إلا حين يحتاج شيئًا، وبعضهم يحب نجاحك بشرط ألا يكون أكبر من نجاحه!

وهنا تبدأ الكوميديا الاجتماعية التي لا تحتاج إلى كاتب ساخر؛ يكفي أن تراقب بعض العلاقات وهي تتبدل مع تبدل المصالح. صديق يختفي حين تتعثر، ثم يعود حين تنهض، كأنه موظف استقبال لدى النجاح! وآخر يمدحك أمامك، ثم يختبر قيمتك في غيابك، فإذا كنت غائبًا أصبح لسانه أكثر نشاطًا من حضوره.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تجعلنا هذه النماذج نسيء الظن بالجميع. فالطيّبون موجودون، لكنهم لا يرفعون لافتات على صدورهم تقول: «أنا وفيّ». والأنقياء لا يحتاجون إلى حملة إعلامية لإثبات نقائهم. تعرفهم حين تضيق بك الدنيا، لا حين تتسع.

وقد قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين: «أعظم شيء في العالم أن تعرف كيف تكون لنفسك». وفي هذا القول معنى عميق؛ فالإنسان الذي لا يعرف نفسه قد يطلب الألفة من الجميع، ويخاف الوحدة إلى درجة تجعله يقبل بصحبة تؤذيه، فقط حتى لا يجلس وحيدًا.

لكن الوحدة ليست دائمًا فراغًا، كما أن الزحام ليس دائمًا حياة.

قد يكون جلوسك مع نفسك ساعة واحدة أنفع من سنوات في صحبة تستنزف روحك. وقد يكون ابتعادك عن بعض الوجوه بداية عودتك إلى نفسك، وإلى ما تحبه، وإلى ما يرضي الله.

إن الله لا يحتاج إلى كثرة من حولك حتى يكرمك، ولا إلى تصفيق الناس حتى يرفع شأنك. هو سبحانه الغني عن خلقه، ونحن الفقراء إليه. وكلما استقامت علاقتك بالله، أصبحت أكثر قدرة على فهم علاقاتك بالناس؛ فلا تقدّس إنسانًا، ولا تجعل قربه شرطًا لسعادتك، ولا تجعل رحيله نهاية العالم.

الألفة نعمة حين تكون مع صالح، والنفور حكمة حين يكون من مؤذٍ، والاختلاف رحمة حين يحفظ الكرامة، والقرب فتنة حين يجعل الإنسان ينسى قيمه.

ولذلك، لا تسأل فقط: من يشبهني؟

اسأل السؤال الأصعب: من يجعلني أفضل؟

فليس المهم أن تجد من يضحك على النكتة نفسها، ويحب الأشياء نفسها، ويتفق معك في كل شيء. المهم أن تجد من إذا اختلف معك لم يهدمك، وإذا غضب منك لم يظلمك، وإذا غبت عنه لم يخنك، وإذا رأى فيك نقصًا ستره، وإذا رأى فيك خيرًا أعانك عليه.

هذه هي الصحبة التي تستحق أن تسمى صحبة.

أما تلك العلاقات التي تقوم على المصالح وحدها، فهي أشبه بمقاعد الانتظار؛ يجلس عليها الناس ما دام لهم موعد، ثم يغادرون دون حتى أن يلتفتوا إلى المقعد.

ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع مرور السنوات أن العلاقات ليست كلها متساوية. هناك من يأتي ليترك ذكرى، وهناك من يأتي ليترك جرحًا، وهناك من يأتي ليترك درسًا، وهناك من يهبك الله إياه ليكون عونًا على الخير.

ومن رحمة الله بعبده أنه لا يكشف له كل الحكمة دفعة واحدة؛ لأن بعض الحقائق لو عرفناها قبل أوانها لما احتملتها قلوبنا. لذلك نمضي، ونتألم، ونفقد، ثم نكتشف بعد حين أن الله كان يدبر لنا من الخير ما لم نكن نراه.

فلا تحزن كثيرًا على باب أُغلق، ولا تتعلق بوجه اختار الرحيل. احمد الله على من بقي، واحمده أكثر على من انصرف قبل أن يترك في قلبك خرابًا لا يُرى.

وفي نهاية الطريق، لا يبقى من الناس عددهم، ولا أسماء مجالسهم، ولا كثرة الصور التي جمعتنا بهم؛ يبقى الأثر.

يبقى الإنسان الذي جعلك أكثر صدقًا، وأكثر رحمة، وأكثر اتزانًا، وأقرب إلى الله. ويبقى الآخر الذي علّمك، ولو بالألم، ألا تمنح قلبك لمن لا يعرف قيمته.

وقد تكتشف بعد أعوام أن أجمل ما حدث لك لم يكن لقاءً انتظرته، بل فراقًا كنت تبكيه.

وحينها ستفهم أن بعض الناس يشبهوننا، وبعضهم يختلفون عنا، لكن الله وحده يعلم من كان ينبغي أن يبقى، ومن كان ينبغي أن يمضي.

ليس كل من رحل خسارة، وليس كل من بقي انتصارًا؛ العبرة بمن ترك فيك أثرًا يرضي الله.

وهكذا، حين ننظر إلى أعمارنا من بعيد، سنكتشف أن الله لم يكن يملأ طريقنا بالناس عبثًا؛ كان يعلّمنا بهم، ويكشف لنا بهم، ويهذبنا بهم، ثم يترك لنا في النهاية ما يكفي من الحكمة لنفهم أن أجمل الألفة هي التي تقود إلى الخير، وأكرم النفور هو الذي ينقذ القلب من شر لا يعرفه.

“bismallah34@gmail.com” (mailto:bismallah34@gmail.com)

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام: 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top