كان يكفي أن ينقطع شريط الكاسيت حتى يتحول أحد أبناء البيت إلى “جرّاح” من نوع خاص، يجلس أمام المسجل في هدوء يشبه هدوء الأطباء داخل غرف العمليات، ويبدأ رحلة إنقاذ الأغنية المفضلة من مصيرها المحتوم!
لا مستشفى، ولا أجهزة تشخيص، ولا قطع غيار أصلية، وإنما مفك صغير، وقلم رصاص، وشيء من الصبر، وربما علبة مناكير أظافر لا علاقة لها في الظاهر بعالم الصوتيات، لكنها كانت عند الحاجة تتحول إلى أداة جراحية لا غنى عنها.
كان شريط الكاسيت في ذلك الزمن أكثر من مجرد وسيلة لسماع الأغاني أو الأناشيد؛ كان قطعة من الذاكرة؛ نشتريه، ونسجله، ونتبادله مع الأصدقاء، ونحتفظ به بعناية، ثم تأتي لحظة الخطر: يعلق الشريط، أو ينقطع، أو تخرج البكرة من مكانها، فتبدأ عملية الإنقاذ.
يفتح “الخبير” الكاسيت بحذر، ويخرج البكرات، ويمد الشريط الأسود بين يديه، ثم يبدأ في إعادة وصل ما انقطع؛ كانت العملية تحتاج إلى دقة أعصاب، لأن خطأ صغيراً قد يحول الأغنية إلى أصوات متقطعة، أو يجعل الشريط يلتف حول نفسه، وعندها تبدأ مرحلة أصعب من الأولى: فك التشابك “شعرة شعرة”.
أما قلم الرصاص فكانت له حكاية أخرى؛ يوضع في قلب البكرة ويدور بها لاستعادة الشريط إلى مكانه، وكأن صاحبه يدير ماكينة دقيقة لا تحتمل الخطأ؛ وإذا انتهت العملية بنجاح، وأعيد الكاسيت إلى المسجل، وضغطنا زر التشغيل، ثم خرج الصوت صافياً من السماعات، كانت الفرحة لا توصف؛ نشعر أننا أنجزنا اختراعاً عظيماً، وربما بدأنا ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا مهندسي إلكترونيات بالفطرة!
ولم تكن الحكاية مقتصرة على إصلاح الكاسيت؛ فقد كان ذلك جيلاً يتعامل مع الأشياء بروح مختلفة؛ إذا تعطلت لعبة حاول إصلاحها، وإذا انكسر شيء في المنزل بحث عن طريقة لإعادته إلى العمل، وإذا لم يجد الأداة المناسبة اخترع بديلاً لها؛ كانت عبارة “ارمه واشترِ غيره” أقل حضوراً مما هي عليه اليوم، لأن الشيء الذي نملكه كان يستحق المحاولة قبل الاستبدال؛ وربما لهذا السبب كانت الأشياء القديمة تعيش معنا طويلاً؛ ليس لأنها أكثر جودة دائماً، وإنما لأننا كنا أكثر ارتباطاً بها، وأكثر استعداداً لبذل الوقت والجهد من أجلها؛ واليوم، تكفي لمسة واحدة على الهاتف لكي نسمع أغنية كاملة، ونشاهد فيلماً، ونرسل صورة إلى آخر الدنيا؛ وإذا تعطل جهاز، فغالباً ما يكون الحل استبداله أو الاتصال بمن يصلحه.
لقد أصبحت التكنولوجيا أكثر سهولة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكنها في المقابل أخذت منا شيئاً جميلاً: متعة المحاولة.
جيل الكاسيت لم يكن يملك كل هذه الإمكانات، لكنه كان يملك فضولاً كبيراً؛ فقد كان يريد أن يعرف: ماذا يوجد داخل هذا الجهاز؟ كيف يتحرك الشريط؟ لماذا توقف؟ وهل يمكن أن نعيده إلى الحياة؟ ؛ ومن هنا كانت الأعطال الصغيرة دروساً غير معلنة في الصبر، والدقة، والابتكار، وتحمل المسؤولية؛ وربما كان أجمل ما فيها أننا كنا نخطئ ثم نحاول مرة أخرى، ونضحك على فشلنا، ونفرح بنجاحنا، دون أن نحتاج إلى دورة تدريبية أو مقطع تعليمي مدته عشر دقائق يشرح لنا “كيف تصلح الكاسيت”.!
لقد تغير الزمن، وتغيرت أدواته، وتغيرت معه طريقة تعاملنا مع الأشياء؛ لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: هل كان زمن الكاسيت أجمل من زمن التقنية؟
السؤال الحقيقي هو: هل كنا نحن أجمل لأننا كنا نمنح الأشياء وقتاً أطول، ونمنح أنفسنا فرصة أكبر للمحاولة؟
ربما لهذا السبب، كلما ظهر أمامنا كاسيت قديم، لا نتذكر فقط الأغاني التي كانت عليه؛ نتذكر أنفسنا ونحن نجلس على الأرض، وبجوارنا المفك وقلم الرصاص، نحاول إنقاذ شريط انقطع.
كنا نظن أننا نصلح كاسيتاً…
ولم نكن نعرف أننا، من حيث لا ندري، كنا نصنع ذاكرة لا تنقطع.
مبارك بن عوض الدوسري



