بعض الكلمات لا نعرف قيمتها حين نسمعها للمرة الأولى، وربما تمر بنا عابرة ونحن صغار، ثم تخبئها الذاكرة في مكان ما، حتى تأتي لحظة بعد سنوات طويلة فتوقظها من جديد، فنكتشف أن جملة قيلت قبل عقود كانت تحمل من الحكمة أكثر مما كنا ندرك.
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كنت طالباً في المرحلة المتوسطة، وفي إحدى الرحلات المدرسية وقع موقف بين عدد من المعلمين، لا أذكر تفاصيله اليوم، وربما لأنني كنت آنذاك طالباً صغيراً لم تكن مثل تلك الأمور تعنيني كثيراً، أو أن السنوات الطويلة أسقطت من الذاكرة تفاصيل الموقف وأبقت منها شيئاً واحداً فقط.
أبقت عبارة قالها أحد المعلمين، وكان من جنسية عربية، وما زلت أذكرها حتى اليوم: “القليل دائماً يحاول أن يقلل من الآخرين، على أمل أن تتساوى الرؤوس”.
لم أفهم يومها تماماً ما الذي كان يقصده، ولم أكن أتصور أن عبارة عابرة يمكن أن ترافق الإنسان أكثر من نصف قرن، لكنني اكتشفت مع الأيام أن الذاكرة لا تحتفظ دائماً بالأحداث، وإنما قد تحتفظ بكلمة واحدة من حدث كامل، لأنها كانت أعمق من أن تنتهي بانتهاء الموقف.
ومؤخراً، مررت بموقف أعادني فجأة إلى تلك الرحلة المدرسية البعيدة؛ لم أتذكر من الرحلة شيئاً تقريباً، ولم أستطع استعادة تفاصيل ما حدث بين المعلمين، لكن العبارة عادت واضحة كما لو أن صاحبها قالها بالأمس: “القليل دائماً يحاول أن يقلل من الآخرين، على أمل أن تتساوى الرؤوس”.
ثم حضرت إلى ذهني مقولة أخرى، أكثر سخرية وأشد قسوة في توصيفها: “في مملكة الحمير، إذا لم تستطع أن ترتقي، حاول أن تسقط من هو حولك”.
وبعيداً عن قسوة التشبيه، فإن الفكرة التي تختبئ خلف العبارتين واحدة؛ فهناك من لا يرى نجاح الآخرين باعتباره دافعاً إلى تطوير نفسه، وإنما يراه تهديداً لمكانته، فيبدأ بمحاولة الانتقاص من الناجح، والتشكيك في قدراته، وتضخيم أخطائه، وربما اختلاق العيوب له، لا لأنه يملك ما هو أفضل، وإنما لأنه عاجز عن أن يصنع لنفسه مكاناً أفضل.
وهنا تكمن المفارقة.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إسقاط الآخرين حتى يبدو مرتفعاً، ولا يحتاج إلى التقليل من إنجازاتهم حتى يشعر بقيمة إنجازه؛ يعرف أن القامة لا تطول إذا انحنى الآخر، وأن النجم لا يصبح أكثر لمعاناً إذا حاول أحدهم إطفاء نجمة أخرى.
أما من يفتقد الثقة، فقد يحاول أن يعوض نقصه بالحديث عن عيوب غيره؛ وإذا لم يستطع أن يصنع إنجازاً، بحث عن إنجاز الآخرين ليشكك فيه؛ وإذا عجز عن المنافسة، حاول تغيير قواعد المنافسة وإذا لم يستطع أن يرتقي إلى مستوى من حوله، حاول أن يقنع من حوله بأنهم ليسوا في ذلك المستوى أصلاً.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض هؤلاء لا يدركون أنهم، وهم يحاولون تصغير الآخرين، يكشفون عن حجمهم الحقيقي.
فالذين يملكون القامة الحقيقية لا ينشغلون بقياس قامات الآخرين، وأصحاب الإنجازات لا يخافون من إنجازات غيرهم، والناجح لا يحتاج إلى شهادة من فاشل حتى يثبت نجاحه.
لقد علمتني السنوات أن الإنسان يستطيع أن يرتفع بطريقين: إما أن يبني نفسه، أو أن يحاول هدم الآخرين؛ والطريق الأول شاق وطويل، لكنه يصنع قيمة حقيقية، أما الثاني فقد يمنح صاحبه شعوراً مؤقتاً بالانتصار، لكنه لا يصنع منه كبيراً.
والأجمل في الحياة أن تترك الناس يتحدثون، وتواصل أنت طريقك.
لا تدخل كل معركة، ولا ترد على كل إساءة، ولا تنشغل بكل محاولة للتقليل منك؛ فبعض المعارك خسارتها مكسب، وبعض الردود تمنح المسيء قيمة لم يكن يستحقها، وبعض الصمت ليس ضعفاً، وإنما ثقة بأن الأيام كفيلة بوضع كل إنسان في مكانه الصحيح.
وبعد أكثر من خمسة عقود، لم تعد تعنيني تفاصيل ذلك الموقف المدرسي القديم، وربما لو عرفت تفاصيله اليوم لما كانت تعنيني أصلاً؛ لكنني سعيد أن ذاكرتي احتفظت بكلمة ذلك المعلم.
فقد اكتشفت أن بعض الكلمات تشبه البذور؛ تُلقى في أرض الذاكرة ونحن صغار، ثم لا نعرف قيمتها إلا عندما نكبر.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الحكاية أن الطريق إلى القمة لا يمر فوق ظهور الآخرين، وأن من أراد أن يرفع رأسه فليعمل على رفع قامته، لا على خفض قامات من حوله.
فالرؤوس لا تتساوى عندما نحاول أن نخفض العالي، وإنما تتقارب عندما نرتقي نحن.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



