بقلم: إبراهيم النعمي
في زمن تتسارع فيه عجلة الحياة، وتتبدل فيه المظاهر والوسائل، وتتعاقب الأجيال، تبقى هناك أشياء لا ينبغي أن تغيب أو تُنسى؛ أشياء تحمل في تفاصيلها عبق الماضي، وتحفظ للأجيال قصة الآباء والأجداد.
إنها التراث؛ ذلك الإرث الذي لا يُقاس بقِدم المقتنيات، وإنما بقيمتها التاريخية والثقافية وما تحمله من قصص وذكريات وتفاصيل عن حياة من سبقونا.
فالتراث ليس مجرد أدوات قديمة تُعرض خلف الزجاج، ولا مقتنيات عفا عليها الزمن، بل هو ذاكرة وطن، وهوية مجتمع، وجسر ممتد بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وفي محافظة بيش بمنطقة جازان، يبرز متحف الجندلي التراثي بوصفه أحد النماذج الجميلة التي تسهم في المحافظة على الموروث الشعبي والتاريخي، وتوثيق جانب مهم من حياة الآباء والأجداد.
فبين جنبات المتحف، يجد الزائر مجموعة من المقتنيات التراثية التي تستعيد أمامه صورًا من الحياة القديمة، وتروي حكايات عن أدوات كان الأجداد يستخدمونها في حياتهم اليومية، وعن الحرف والعادات والتقاليد التي كانت جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع.
وما أجمل أن يقف الجيل الجديد أمام تلك المقتنيات متأملًا إياها، ليسأل عن استخدامها وأصحابها وزمنها، فيتحول الشيء القديم إلى قصة وحكاية ودرس من دروس التاريخ.
ويقف خلف هذا العمل التراثي الأستاذ يحيى الجندلي، الذي بذل جهودًا واضحة في جمع المقتنيات التراثية والمحافظة عليها، إيمانًا منه بأهمية حفظ إرث الأجداد من الضياع والاندثار.
وهي جهود تستحق التقدير؛ لأن جمع الموروث الشعبي وتوثيقه والمحافظة عليه ليس مهمة سهلة، وإنما يحتاج إلى شغف واهتمام وصبر وإدراك لقيمة ما بين أيدينا من إرث.
فكل قطعة تراثية قد تبدو بسيطة في نظر البعض، لكنها قد تحمل قصة إنسان، أو مهنة، أو عادة، أو مرحلة من مراحل الحياة، ولهذا فإن المحافظة عليها هي في حقيقتها محافظة على جزء من الذاكرة الوطنية.
وتؤدي المتاحف الخاصة دورًا مهمًا في المحافظة على التراث الوطني، فهي تكمل الجهود المؤسسية في جمع المقتنيات التراثية وحفظها وعرضها، كما تسهم في نشر الوعي بأهمية التراث وتعريف الأجيال الجديدة بماضي مجتمعهم.
كما أن هذه المتاحف تمثل وجهة ثقافية وسياحية مهمة، ويمكن أن تكون مقصدًا للطلاب والباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث، لما توفره من تجربة مباشرة مع ملامح الحياة القديمة.
ومن هنا تأتي أهمية دعم أصحاب المتاحف الخاصة وتشجيعهم، والتعريف بجهودهم، وتوثيق مقتنياتهم، وربط هذه المتاحف بالبرامج الثقافية والسياحية والتعليمية.
إن المحافظة على التراث الوطني لا تعني أن نبقى أسرى للماضي، وإنما تعني أن نعرف من أين بدأنا، وكيف عاش آباؤنا وأجدادنا، وما الذي صنع هويتنا وثقافتنا.
فالأمم التي تحفظ ذاكرتها لا تفقد هويتها، والمجتمعات التي تعرّف أبناءها بتاريخها وتراثها تزرع في نفوسهم الاعتزاز والانتماء.
ولذلك فإن مسؤولية المحافظة على التراث ليست مسؤولية فرد أو جهة بعينها، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة؛ تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية والسياحية، وتشمل كل مواطن يدرك قيمة هذا الإرث.
وفي النهاية، فإن متحف الجندلي التراثي بمحافظة بيش ليس مجرد مكان تُجمع فيه المقتنيات القديمة، بل هو نافذة نطل منها على الماضي، وذاكرة تحفظ تفاصيل الحياة، ورسالة تحملها الأشياء الصامتة من جيل إلى جيل.
فحين يقف الطفل أو الشاب أمام قطعة تراثية قديمة، فإنه لا يرى مجرد أداة؛ بل يرى جزءًا من حياة أجداده، ويتعرف على كفاحهم وبساطتهم وعاداتهم وتقاليدهم.
أن يجعل الماضي حاضرًا أمام أعيننا، وأن يحول المقتنيات الصامتة إلى قصص تتحدث، وذكريات تعيش، ورسائل تصل من الأجداد إلى الأحفاد.
فشكرًا لكل من حفظ تراثنا، وشكرًا لكل من جمعه ووثقه وعرّف به، وشكرًا للأستاذ يحيى الجندلي على جهوده في هذا المجال.
متحف الجندلي التراثي.. ذاكرة بيش التي لا تنسى، وحكاية الماضي التي تستحق أن تُروى للأجيال.



