فَاسْتَجَبْنَا لَهُ…

راضي غربي العنزي – كاتب رأي سعودي

حين يضيق الإنسان بما حوله، يكتشف أن أوسع مكان يمكن أن يسكنه هو قلبه حين يسكنه اليقين بالله. هناك، حيث تتعب الأسباب وتخفت أصوات الناس، يبقى الله سبحانه وتعالى حاضرًا برحمته، قريبًا بعلمه، لطيفًا بعباده. وما من كربة إلا ولها عند الله مخرج، وما من قلبٍ أخلص اللجوء إليه إلا وجد في رحمته ما يعيد إليه الطمأنينة، وفي حكمته ما يجعله يفهم بعد حين: أن الله لم يؤخر النجاة، بل كان يهيئها على الوجه الذي يليق برحمته.

حين يمر الإنسان بضيقٍ لا يعرف كيف يشرحه، فإنه لا يحتاج دائمًا إلى كثير من الكلام؛ يحتاج إلى يقينٍ واحد: أن الله سبحانه وتعالى يسمعه، ويعلم حاله، ويرى ضعفه، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وحين تتعب النفس من كثرة الانتظار، وتستنفد الأبواب قدرتها على الفتح، يبقى باب الله مفتوحًا لا يُغلق في وجه من قصده.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].

آية قصيرة، لكنها تحمل من الرحمة ما يكفي قلبًا أثقلته الحياة. إنها ليست قصة يونس عليه السلام فحسب، بل وعدٌ إلهي يتجاوز القصة إلى كل مؤمن يمر بالغم، وكل إنسان يرفع يديه إلى الله وهو لا يملك إلا الدعاء.

كان يونس عليه السلام في كربٍ عظيم، فكانت كلماته عظيمة: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. لم يتوجه إلى مخلوق، ولم يجعل حاجته معلقة بإنسان، بل عاد إلى الحقيقة الأولى: لا إله إلا الله.

وهنا يكمن سر النجاة.

فالإنسان قد يملك المال، والعلاقات، والخبرة، والمنصب، والذكاء، ثم تأتي لحظة واحدة تجعله يدرك أن كل هذه الأشياء أسباب، وأن الله وحده هو المالك لكل شيء، وأنه سبحانه إذا أراد لعبده رحمة فلا يستطيع أحد أن يمنعها، وإذا فتح له بابًا فلا يستطيع أحد أن يغلقه.

ومع ذلك، ما زلنا نحن البشر نتصرف أحيانًا وكأننا أصحاب مفاتيح الكون! يتأخر أمر بسيط فنعلن نهاية العالم، ويتعطل مشروع فنقول: انتهى مستقبلي، ويبتعد عنا شخص فنظن أن الحياة أغلقت أبوابها، وكأننا نملك نسخة من الغيب ونقرأ آخر الصفحة قبل أن تبدأ الحكاية!

نحن نستعجل الإجابة، بينما الله سبحانه وتعالى يعلم متى تكون الإجابة رحمة، وكيف تكون، وما الذي يترتب عليها.

قال رسول الله ﷺ: «دعوةُ ذي النونِ ما دعا بها مكروبٌ إلا استجاب الله له».

وما أعظم أن يتعلم الإنسان في لحظة الكرب أن يقول: يا رب، أنت الواحد الأحد، وأنا عبدك الضعيف؛ أنت تعلم وأنا لا أعلم، وترى وأنا لا أرى، وتدبر وأنا لا أملك إلا الأخذ بالأسباب والدعاء.

وقد قال الفيلسوف الروماني سينيكا: «نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع». وهي حكمة تلامس جانبًا من طبيعة الإنسان؛ فهو لا يتعب من المشكلة وحدها، بل من عشرات الاحتمالات التي يصنعها حولها. أما المؤمن، فعندما يرد الأمر إلى الله، يعرف أن ما لا يملكه لا ينبغي أن يستهلك قلبه.

ومن جميل ما رُوي عن الصحابي خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه شكا إلى النبي ﷺ ما لقي المسلمون من شدة وأذى، فذكّرهم النبي ﷺ بمن سبقهم من المؤمنين، وبأن الله سيتم هذا الأمر. كان الواقع آنذاك قاسيًا، وكانت بشائر المستقبل تبدو بعيدة، لكن وعد الله كان أقوى من المشهد الذي تراه العيون.

ثم جاءت الأيام بما وعد الله به، وانتشر الإسلام، وسقطت الأصنام، وأصبح التوحيد الذي عُذب أصحابه من أجله كلمةً تملأ الآفاق.

هكذا يفعل الله سبحانه وتعالى حين يريد أن يعلم عباده أن ضعف اللحظة لا يعني ضعف النهاية.

ولذلك لا تجعل تأخر الإجابة سببًا لسوء الظن بالله. قد تطلب شيئًا وتظن أن الخير كله فيه، والله سبحانه وتعالى يعلم أن الخير في غيره. وقد تتعلق بباب وتظن أنه باب نجاتك، فيغلقه الله رحمةً بك، ثم يفتح لك بابًا لم تكن تراه أصلًا.

قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

الله يعلم.

هذه الجملة وحدها تكفي أحيانًا لكي يهدأ القلب.

الله يعلم ما يؤلمك، ويعلم ما تخفيه، ويعلم لماذا تأخرت بعض الأشياء، ويعلم من ظلمك، ويعلم ما تتمناه، ويعلم ما لا تستطيع حتى أن تشرحه لأقرب الناس إليك.

وهو سبحانه ليس كمثله شيء، منزّه عن الظلم والعجز والنقص، الواحد الذي لا شريك له، الملك الذي لا يخرج شيء عن علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته عباده، الحكيم الذي تجري أفعاله على الحكمة، وإن عجزت عقولنا أحيانًا عن إدراك الحكمة في وقتها.

ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في أوقات الغم ليس أن يستسلم للقلق، ولا أن يرهق نفسه بسؤال: متى؟ وكيف؟ ولماذا؟

بل أن يقول: يا الله، اختر لي، واحفظني، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي.

ثم يعمل، ويدعو، ويصبر، ويحسن الظن بالله.

فالنجاة ليست دائمًا أن يتغير العالم من حولك فورًا؛ أحيانًا تبدأ النجاة حين يتغير قلبك أنت، حين تنتقل من الخوف إلى الثقة، ومن الاعتماد على الخلق إلى التعلق بالخالق، ومن سؤال الناس عن المخرج إلى سؤال الله.

وهنا تعود الآية لتفتح نافذتها الواسعة أمام كل مكلوم:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

لاحظوا جمالها: لم يقل الله «ونجينا يونس» فقط، بل قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كأن القصة القديمة جاءت اليوم لتجلس بجوار كل قلب متعب وتقول له: لا تيأس.

قد تكون في أشد لحظاتك ضيقًا، ولا تعلم أن الفرج أقرب مما تظن. وقد تظن أن الدعاء لم يُسمع، بينما الله سبحانه وتعالى يسمعك، ويعلمك، ويعلم متى تكون الإجابة خيرًا لك.

فلا تستعجل رحمة الله.

ولا تقيس عناية الله بسرعة الأحداث.

ولا تجعل بابًا أغلقه الله في وجهك سببًا لليأس؛ فلعل الحكمة التي لا تراها اليوم هي التي ستجعلك تحمد الله غدًا.

وإذا ضاق عليك كل شيء، فارجع إلى الأصل العظيم:

لا إله إلا الله.

ثم ارفع قلبك إلى الله سبحانه وتعالى، وقلها بيقين:

يا رب، أنت أعلم بي مني، وأرحم بي مني، وأحكم في أمري مني.

وعندها، مهما طال الطريق، يبقى في القلب شيء لا يستطيع الغم أن يهزمه: أن لك ربًا واحدًا، وأن رحمته أوسع من خوفك، وأن لطفه أقرب مما تظن.

bismallah34@gmail.com

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top