التطوع ليس نزهة.. حين يتحول الخير إلى فرض كفاية

بقلم علي حسن المفتاح

في الخامس من سبتمبر، اليوم الدولي للعمل الخيري، تتكرر عبارات جميلة عن العطاء والتطوع وخدمة المجتمع، لكنني أظن أننا بحاجة اليوم إلى حديث مختلف قليلًا، حديث لا يصفق للمتطوع فقط، بل يسأله سؤالًا قد لا يعجبه:

هل تعرف فعلًا ما معنى المسؤولية التي حملتها؟

هناك خطأ شائع في فهم العمل التطوعي، وهو اعتقاد البعض أن كل ما يفعله المتطوع «اختياري» يستطيع أن يحضر متى شاء، وينسحب متى شاء، ويعتذر في آخر لحظة متى وجد ما هو أهم بالنسبة له.

هذه ليست هي الصورة كاملة.

نعم، قد يكون أصل التطوع مستحبًا، لكن **الأعمال التي تحتاجها الجماعة ولا يقوم بها إلا عدد محدود من الناس قد تدخل في فروض الكفايات**؛ فإذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم بها من يكفي، أثم القادرون على القيام بها بحسب الحال.

وهنا يجب أن يتغير فهمنا.

فخدمة المحتاج، وإغاثة الملهوف، ورعاية الضعيف، وقضاء حاجات الناس، وحماية مصالح المجتمع، من أبواب الخير العظيمة، وقد تصبح المسؤولية فيها آكد عندما لا يوجد من يقوم بها.

والأخطر من ذلك أن بعض المتطوعين يتعامل مع المهمة وكأنها «حجز في مطعم»: إن حضر كان خيرًا، وإن لم يحضر فلا مشكلة.

لا يا صديقي.

إذا قبلت المهمة وأصبح العمل قائمًا على وجودك، فأنت لم تعد تتعامل مع الأمر باعتباره مزاجًا شخصيًا.

أنت أصبحت جزءًا من منظومة، وغيابك يعني أن شخصًا آخر يجب أن يحمل ما تركته، وربما لا يوجد ذلك الشخص أصلًا.

وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن نخجل من تجاهله:

إذا كان كل واحد منا سيقول «لست ملزمًا»، فمن سيقوم بالعمل؟

إذا قال الأول: عندي ارتباط.

وقال الثاني: لدي مناسبة.

وقال الثالث: تعبت.

وقال الرابع: وجدت شيئًا أهم.

وقال الخامس: هناك متطوعون غيري…

فمن بقي ليخدم المحتاج؟

فروض الكفايات لا تقوم بمنطق «ليس شأني».

إنما تقوم بأن يقوم بها من يكفي من أهل القدرة عليها.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الخيري ليس قلة المتطوعين، بل كثرة المتطوعين غير الملتزمين.

لأن المتطوع غير الملتزم لا يغيب وحده؛ بل يربك فريقًا، ويعطل مهمة، ويحمّل غيره فوق طاقته، وربما يؤخر حقًا عن مستحقه.

ثم يأتي بكل بساطة ويقول:

«لكنني متطوع!»

وكأن كلمة «متطوع» أصبحت تصريحًا للتقصير!

التطوع لا يعني الفوضى.

والأجر لا يعني إسقاط المسؤولية.

والعمل الخيري لا يعني أن تكون المواعيد والمهمات بلا قيمة.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.

والأمانة ليست مالًا فقط.

قد تكون الأمانة ساعة من وقتك، أو مهمة قبلتها، أو مستفيدًا ينتظر منك خدمة، أو فريقًا بنى خطته على وجودك.

ولهذا أقول للمتطوع: لا تسجل اسمك في عشرين فرصة تطوعية لتجمع الساعات، ثم عندما يأتي وقت العمل تختفي.

لا تقبل مهمة لا تستطيع الوفاء بها.

ولا تجعل التزاماتك الاجتماعية عذرًا دائمًا للتنصل من التزام سبق أن قبلته.

رتب أولوياتك، واعرف ما الذي التزمت به، وإن عجزت فأبلغ مبكرًا، واترك المجال لمن يستطيع.

فالعمل الخيري ليس مسابقة في عدد الساعات.

إنه مسؤولية أمام الناس، وأمانة أمام الله.

وفي هذا اليوم، ربما لا نحتاج إلى المزيد من المتطوعين الذين يقولون «أنا متطوع».

نحتاج إلى متطوع عندما يقول «أنا موجود»… **يكون موجودًا فعلًا.**

فإذا لم تكن مستعدًا للالتزام، فلا تأخذ مكان من كان مستعدًا.

وإذا قبلت المهمة، فأدِّها.

وإذا تعيّن العمل ولم يقم به غيرك، فلا تختبئ خلف كلمة «تطوع».

فبعض أبواب الخير لا تنتظر المتفرغين، بل تنتظر من يشعر بالمسؤولية.

وهنا الفرق بين شخص يبحث عن ساعات تطوعية، وشخص يبحث عن **أثر يبرئ ذمته ويُرضي ربه.

التطوع ليس أن تقول: ماذا سأقدم؟
بل أن تسأل نفسك: إذا لم أقم أنا بهذا الواجب… فمن سيقوم به؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top