بقلم المستشار ــ فرحان حسن
لم يعد مفهوم «صنع في السعودية» مجرد عبارة توضع على منتج محلي، بل أصبح يعكس تحولًا أعمق في بنية الاقتصاد الوطني، وفي موقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية، بدعم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وانسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويأتي إعلان شركة Alfa Laval عن إطلاق خط لتجميع المبادلات الحرارية في المملكة كحلقة حديثة في هذا المسار. فالأمر يتجاوز إضافة خط تجميع جديد إلى انتقال تدريجي من استيراد المعدات والتقنيات إلى بناء القدرة على تجميعها وتصنيعها محليًا، ثم تطوير المعرفة والخبرة المرتبطة بها.
مسار بدأ قبل اليوم
تجربة Alfa Laval ليست الأولى، بل امتداد لمسار شاركت فيه شركات عالمية كبرى، ومن أبرز الأمثلة:
- Siemens، التي سبقت في توطين صناعات الطاقة، وأنتجت في عام 2016 أول توربين غازي «صنع في السعودية» في منشأتها بالدمام.
- Baker Hughes، التي طورت في المملكة قدرات للتصنيع والتجميع والاختبار لمعدات التوربينات والضواغط.
- Honeywell، التي افتتحت في الظهران عام 2024 أول خط تجميع لها في المملكة لحلول إنذار الحريق وإدارة المباني.
- Schneider Electric، التي وسعت التصنيع المحلي ليصبح لديها أكثر من 20 منتجًا مصنعًا في المملكة، مع توجه لتصدير بعض الإنتاج إلى الأسواق الخارجية.
وتكشف هذه التجارب أن التوطين لم يعد مبادرات منفصلة، بل أصبح مسارًا صناعيًا يتسع ويتعمق تدريجيًا، بما يدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز المحتوى المحلي وتطوير القطاع الصناعي.
من الاستيراد إلى التصدير
يمكن اختصار هذا التحول في أربع مراحل مترابطة:
الاستيراد ← التجميع المحلي ← التصنيع المحلي ← التصدير
فالمرحلة الأولى تجعل المملكة سوقًا للمنتج العالمي، ثم تنتقل أجزاء من العملية الصناعية إلى الداخل. وبعد ذلك تتعمق القيمة المحلية عبر التصنيع ونقل التقنية وتطوير الموردين والكوادر الوطنية، وصولًا إلى مرحلة يصبح فيها المنتج المصنوع في المملكة قادرًا على المنافسة والوصول إلى الأسواق العالمية.
ماذا يكسب الاقتصاد؟
القيمة الحقيقية للتوطين لا تتوقف عند تقليل الاستيراد، بل تمتد إلى:
- نقل التقنية والمعرفة الصناعية.
- تطوير الكفاءات والمهارات الوطنية.
- تعزيز المحتوى المحلي.
- بناء الموردين وسلاسل الإمداد المحلية.
- زيادة مرونة الاقتصاد أمام اضطرابات الإمداد العالمية.
- جذب الاستثمارات الصناعية النوعية.
- الانتقال من الإنتاج للسوق المحلي إلى التصدير للأسواق العالمية.
وتظهر تجربة برنامج «اكتفاء» في أرامكو حجم هذا التحول؛ فقد وصل المحتوى المحلي في مشترياتها إلى 70% في عام 2026، مع رفع المستهدف إلى 75% بحلول عام 2030. كما أسهم البرنامج منذ إطلاقه بأكثر من 280 مليار دولار في الناتج المحلي، وجذب استثمارات أجنبية بنحو 9 مليارات دولار، وأسهم في توفير أكثر من 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
الصناعة كمنظومة
نجاح التوطين لا يقاس بعدد المصانع وخطوط التجميع فقط، بل بمقدار القيمة والمعرفة والتقنية التي أصبحت جزءًا من الاقتصاد الوطني.
وهنا تتضح إحدى التحولات المهمة التي تقودها رؤية السعودية 2030. فالمملكة لا تسعى فقط إلى استقطاب المصانع العالمية، بل إلى بناء منظومة صناعية قادرة على التعلم والتطوير والإنتاج والمنافسة، بما يعزز مكانتها كمركز صناعي ولوجستي عالمي.
وهكذا يصبح «صنع في السعودية» أكثر من شعار على منتج.
إنه انتقال من سوق يستورد الصناعة إلى اقتصاد يصنعها ويطورها، ثم ينافس بها عالميًا، تحقيقًا لمستهدفات رؤية السعودية 2030.




