*د.إكرام عياد:*
*العدوانية لدى الطفل ليست صفة أصيلة فيه بل رسالة أو عرض
*معالجة السلوك العدواني عند الطفل تتطلب صبراً ونفساً طويلاً
*د.شادي المغربي:*
*الطفل العدواني لايحتاج إلى مزيد من العنف بل إلى فهم السبب وراء سلوكه
*الوالدين قدوة للطفل لأنه يتعلم من سلوكهما أكثر من نصائحهما
تؤكد الأبحاث الطبية والنفسية أن السلوك العدواني لدى الأطفال ليس مجرد مشكلة سلوكية عابرة،بل هو ظاهرة معقدة تنتج عن تداخل عوامل متعددة،ويشكل خطراً حقيقياً على بناء مجتمع سليم.
إثنان من أطباء الأطفال بمجموعة مستشفيات الحمادي بالرياض،تحدثوا عن السلوك العدواني لدى الأطفال؛فماذا قالوا؟.
*الأسباب وسبل التعامل*
تقول الدكتورة إكرام بنت رابح عياد استشارية طب الأطفال بمستشفيات الحمادي بالرياض أن السلوك العدواني لدى الأطفال سواء كان جسدياً كالملاكمة والضرب،أو لفظياً كالصراخ والتلفظ بكلمات قاسية،من أكثر التحديات التربوية التي تواجه الآباء والمربين،ولعلّ الخطوة الأولى والمحورية في علاج هذه الظاهرة هي إدراك أن العدوانية لدى الطفل ليست صفة أصيلة فيه،بل هي رسالة أو “عرَض” يُعبّر به عن مشاعر أو احتياجات عاجز عن صياغتها بالكلمات،مشيرة إلى
تعدد دوافع العدوانية عند الأطفال وتتداخلها،ومن أهمها:
ضعف مهارات التعبير العاطفي:يفتقر الطفل في سن صغيرة إلى حصيلة مصطلحات تمكنه من شرح مشاعره،فيتحول الغضب أو الإحباط لديه فوراً إلى سلوك جوارحي.
التقليد والمحاكاة:يتأثر الأطفال بشدة بما يشاهدونه في البيئة المحيطة،سواء كان ذلك خِلافات عائلية مُعلنة،أو محتوى سينمائياً وألعاب فيديو تتسم بالقتال والعدوان.
الشعور بالإحباط أو إهمال الاحتياجات:مثل:التعب الجسدي،الجوع،الشعور بالغيرة من أحد الأقارب،أو الإحساس بنقص الانتباه والاهتمام من الأبوين.
الأساليب التربوية القاسية: الإفراط في العقاب البدني أو الصراخ المتكرر يرسل للطفل رسالة غير مباشرة بأن “القوة والشدة هما الوسيلة الوحيدة للسيطرة وتلبية الرغبات”.
*استراتيجيات عملية للتعامل*
وتوضح د.إكرام عياد استشارية طب الأطفال بمجموعة الحمادي الطبية إلى أن معالجة السلوك العدواني تتطلب صبراً ونفَساً طويلاً، ويمكن اختصار أهم الخطوات في النقاط التالية:
قاعدة ذهبية:لا تعالج الغضب بالغضب؛فالهدوء في لحظة الانفعال هو القدوة الأولى التي يتعلّم منها الطفل ضبط النفس.
1.الاحتواء والتدخل الهادئ: عند حدوث نوبة عدوانية، افصل الطفل عن الموقف بحزم دون عنف أو صراخ، وتأكد من سلامة الجميع.
2.تسمية المشاعر(الذكاء العاطفي):ساعد طفلك على التعرف على ما يشعر به، بعبارات مثل:”أنا أفهم أنك غاضب لأن اللعبة كُسرت، لكن الضرب غير مقبول.”
3.وضع حدود صريحة ومستمرة:يجب أن يعلم الطفل أن كل المشاعر مقبولة ومسموحة،ولكن ليس كل السلوكيات مسموحة.
4.تعزيز السلوك الإيجابي: بدلاً من التركيز الدائم على العقاب عند الخطأ، أثنِ على الطفل وكافئه عندما يتصرف بمداراة وهدوء أو يحل مشكلته بالحوار.
5.توفير منافذ لتفريغ الطاقة: ممارسة الرياضة،الرسم، والألعاب الحركية تساهم بشكل فعال في تخفيف الاحتقان النفسي والتفريغ عن الطاقة الزائدة.
وشددت د.إكرام عياد استشارية طب الأطفال بمستشفيات الحمادي بالرياض على أن بناء سلوك متزن لدى الطفل عملية تراكمية تتطلب التفهم والاحتواء قبل فرض العقوبات؛فمتى ما شعر الطفل بالأمان والتفهم داخل أسرته، قلّت حاجته للجوء إلى العنف كوسيلة للتعبير عن ذاته.
*قلق الوالدين*
ويؤكد الدكتور شادي بن فواز المغربي استشاري أمراض الأطفال بمستشفيات الحمادي بالرياض أن السلوك العدواني من أكثر السلوكيات التي تثير قلق الوالدين والمربين،ولاسيما عندما يظهر بصورة متكررة أو شديدة تؤثر في علاقة الطفل بأسرته وأقرانه. وقد يأخذ العدوان أشكالًا متعددة،مثل:الضرب والعض والدفع والركل والصراخ،أو قد يظهر بصورة غير مباشرة من خلال العناد الشديد،وإتلاف الممتلكات، والتهديد،أو إيذاء الآخرين بالكلمات،مشدداً على أن ندرك أن السلوك العدواني عند الأطفال لا يعني بالضرورة أن الطفل “سيئ”،أو أن لديه شخصية عدوانية بطبيعتها؛ففي كثير من الحالات يكون العدوان وسيلة يعبر بها الطفل عن مشاعر أو احتياجات لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات.
*مراجعة الطبيب*
وينصح د.شادي المغربي استشاري الأطفال بمجموعة الحمادي الطبية باستشارة طبيب الأطفال أو اختصاصي الصحة النفسية للأطفال عندما يكون العدوان شديدًا أو متكررًا،أو عندما يؤدي إلى إصابات،أو عندما يتسبب في مشكلات واضحة في المدرسة أو العلاقات الاجتماعية، أو عندما يكون من الصعب على الأسرة السيطرة عليه رغم اتباع أساليب تربوية مناسبة،كما ينبغي الانتباه إلى وجود أعراض أخرى مصاحبة،مثل: صعوبات التواصل،أو اضطرابات النوم،أو مشكلات الانتباه،أو التأخر النمائي،أو تغير واضح ومفاجئ في سلوك الطفل.
*بيئة آمنة مستقرة*
ويشير الدكتور شادي المغربي استشاري الأطفال بمستشفيات الحمادي إلى دور الأسرة في الوقاية من السلوك العدواني،حيث أن الوقاية تبدأ من المنزل،من خلال توفير بيئة آمنة ومستقرة للطفل، وإظهار الحب والاهتمام،مع وضع حدود واضحة وثابتة، ويحتاج الطفل إلى أن يتعلم منذ الصغر أن:
•ليس كل ما يريده يمكن الحصول عليه فورًا.
•كلمة “لا” جزء طبيعي من الحياة.
•الغضب شعور طبيعي،لكن إيذاء الآخرين ليس مقبولًا.
•يمكن حل الخلافات بالكلام والحوار.
•الاعتذار وإصلاح الخطأ من علامات القوة وليس الضعف.
•الحصول على الاهتمام لا يحتاج إلى الصراخ أو العدوان.
•لكل طفل قيمته ومكانته،ولا ينبغي أن تُقاس قيمته بمقارنته بغيره.
•الاختلاف في القدرات بين الأطفال أمر طبيعي ولا يعني أن أحدهم أفضل من الآخر في قيمته الإنسانية.
والأهم من ذلك أن يكون الوالدان قدوة للطفل؛فالطفل يتعلم من سلوكهما أكثر مما يتعلم من نصائحهما.
*فهم السلوك*
ويختتم د.شادي المغربي استشاري الأطفال بمستشفيات الحمادي بالرياض، حديثه مخاطباً الوالدين:الطفل العدواني لا يحتاج إلى مزيد من العنف،بل يحتاج إلى فهم السبب وراء سلوكه، وحدود واضحة،وتعليم مستمر للمهارات التي تساعده على التحكم في غضبه والتعبير عن مشاعره،كما أن التربية الصحيحة لا تقوم على القسوة،ولاعلى التدليل المفرط،ولا على التفرقة بين الأبناء،وإنما تقوم على التوازن بين الحب والاحتواء من جهة،والحدود والانضباط والعدل من جهة أخرى.
فالطفل لا يولد وهو يعرف كيف يتحكم في غضبه؛إنها مهارة يتعلمها تدريجيًا من خلال القدوة،والتوجيه، والحدود،والصبر،والعلاقة الآمنة مع والديه.
والهدف النهائي ليس أن نمنع الطفل من الغضب،فهذا أمر غير ممكن ولا مطلوب،وإنما أن نساعده على أن يتعلم كيف يغضب دون أن يؤذي نفسه أو الآخرين،وكيف يعبّر عن احتياجاته ومشاعره بطريقة صحية ومقبولة.
__________
.د.إكرام عياد
.د.شادي المغربي



