الحلقة الرابعة عشرة: رمضان في ذاكرة الزمن الجميل!

بقلم: عيسى المزمومي

يعيش الإنسان وكأنه خالد، يسير في دنياه غير آبهٍ بنهاياتها، يظن أن السلطة والمال، والجاه والوجاهة، تمنحه امتيازًا خاصًا فوق البشر، فينسى أن كل الطرق تؤدي إلى حفرة ضيقة، وأن كل الألقاب تتلاشى أمام صمت القبر. البعض يرى نفسه محور الكون، ويتعامل مع الآخرين كأنهم ظلال عابرة، ينسى أن الحياة ليست سوى مسرحٍ مؤقت، وأنه مهما علت أدواره، سيأتي يوم يُطوى فيه الستار!
لكن، هل الإنسان بطبيعته مستبد؟ أم أن الأوهام التي يصنعها من حوله هي ما تدفعه نحو هذا الشعور الخادع بالعظمة؟ هل الجاه والسلطان يغسلان القلب من إنسانيته، أم أن القلب كان قاحلاً من البداية، فلم تزده الأيام إلا تصحراً؟ وسط هذا الصخب، يأتي رمضان، لا ليغيّرنا، بل ليكشف حقيقتنا. رمضان ليس موسمًا للتصنع، بل مرآة تعكس وجوهنا كما هي، بلا رتوش. هو اختبارٌ للإنسان لا في جوعه وعطشه، بل في قدرته على مراجعة ذاته، على مواجهة الأسئلة الصعبة التي طالما هرب منها. هل نحن كما نعتقد؟ هل نعيش بما ندّعيه من قيم ومبادئ؟ أم أننا مجرد ممثلين في دور التقوى، سرعان ما نخلع قناع الزهد مع انقضاء الشهر؟!
هناك من يظن أن رمضان هو الذي يُغير الناس، لكنه في الحقيقة لا يُغير أحدًا. رمضان يمنحنا فرصة، لكنه لا يجبرنا على استغلالها. هو كالمحراب، متاحٌ لكل من أراد الدخول، لكنه لا يدفع أحدًا إليه. البعض يخرج منه بقلوب أنقى، وأرواح أصفى، بينما البعض الآخر لا يرى فيه إلا مجرد تقويمٍ زمنيٍ مختلف، ينتهي كما بدأ، دون أثر. كم من صائمٍ عن الطعام، لكنه مفطرٌ على الكبر والغرور؟ كم من راكعٍ في المساجد، لكن قلبه يركع لمصالحه ومطامعه؟ كم من مُمسكٍ عن الشراب، لكنه لا يُمسك لسانه عن أذية الناس؟ رمضان ليس مجرد جوعٍ وعطش، وليس مجرد امتناعٍ عن شهوات الجسد، بل هو صومٌ عن الأذى، عن الظلم، عن التكبر، عن الغفلة!
كل عام يأتي رمضان ليذكّرنا أن الزمن يمضي، وأن الفرص لا تُمنح إلى الأبد. سيأتي يوم يُغلق فيه باب التوبة، وسنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام ميزان العدل المطلق. لا مال سينفعنا، ولا منصب سيرفعنا، ولا ألقاب ستشفع لنا. فقط أعمالنا، صالحة كانت أم طالحة، هي ما ستبقى لنا.فماذا أعددنا لذلك اليوم؟ هل نحن مستعدون للوقوف بين يدي من لا تخفى عليه خفايا النفوس؟ هل سنحمل معنا نورًا يضيء قبورنا، أم أننا سنجر أوزارًا تُثقل خطانا نحو الحساب؟!
رمضان ليس تغييرًا في ذاته، لكنه فرصةٌ لنُغيّر نحن. الخيار بأيدينا، فإما أن يكون نقطة تحول، أو مجرد ذكرى عابرة في تقويم الحياة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top