حين تتحدث الصور عن رجال صنعوا نجاح المخيم الكشفي العربي الرابع والعشرين

 

تحتفظ الصور القديمة بقدرة عجيبة على استعادة ما غاب من الذاكرة؛ فصورة واحدة قد تفتح باباً واسعاً على مرحلة كاملة، وتعيد إلى الواجهة أسماء رجال ومواقف وأحداثاً كان لها حضورها، ثم أخذت السنوات تمضي بها بعيداً عن الذاكرة اليومية؛ ومن بين الصور التي استوقفتني مؤخراً، مجموعة توثق لقاءً جمع معالي الدكتور محمد الأحمد الرشيد، وزير التعليم ورئيس جمعية الكشافة العربية السعودية آنذاك – رحمه الله – بالقيادات الكشفية السعودية المشاركة في قيادة وتنظيم المخيم الكشفي العربي الرابع والعشرين، الذي استضافته المملكة العربية السعودية في مدينة الملك فهد الكشفية بالحوية بمحافظة الطائف خلال الفترة من 16 إلى 28 ربيع الآخر عام 1421هـ؛ وكان اللقاء قبيل انطلاق المخيم، بحضور المشرف العام على المخيم معالي الدكتور خضر بن عليان القرشي، وقائد المخيم الدكتور عبدالله بن حيسون المسعودي، ومساعديه الأستاذ محمد القرني والأستاذ سعد العقيل، وفيه ظهرت ملامح العلاقة التي تجمع بين المسؤول وصاحب الميدان؛ حوار مباشر، واستماع إلى المقترحات، وثقة في القيادات المكلفة بالعمل؛ وبقيت شخصية الدكتور محمد الرشيد في تلك المناسبة حاضرة في الذاكرة بما اتسمت به من تواضع وروح تحفيزية، وهي صفات كان لها أثر في منح العاملين شعوراً بأنهم شركاء في المسؤولية، وليسوا مجرد منفذين لتوجيهات؛ وكان واضحاً كذلك حجم الثقة التي أولاها معاليه للدكتور خضر بن عليان القرشي، بما عكس مستوى الانسجام بينهما، وهو انسجام انعكس على العمل في مرحلة كانت تتطلب قدراً كبيرًا من التنسيق والدقة، خصوصاً أن المناسبة كانت تجمع مشاركين من عدد من الدول العربية والمملكة لأول مرة تستضيف ذلك الحدث.
ومن المواقف التي بقيت في الذاكرة أن أحد المشاركين طرح خلال اللقاء مسألة تعويض العاملين عن جزء من إجازاتهم، نظراً إلى أن مدة المخيم تتزامن مع الإجازة الصيفية، وأن غالبية المشاركين كانوا من منسوبي قطاع التعليم؛ وقد أحال معالي الوزير الموضوع إلى الدكتور خضر، الذي تجاوب مع المقترح ومنح المشاركين ذلك التعويض؛ وفي اللقاء نفسه، طرح الأخ العزيز مليحان بن صالح المليحان مقترحاً يتعلق بمنح الكشاف أولوية في القبول بالكليات العسكرية، وقد لقي المقترح ترحيباً من معالي الوزير، الذي أبدى استعداده لمناقشته مع المسؤولين؛ لكن ما تكشفه هذه الصور بعد أكثر من ربع قرن لا يرتبط بالمواقف وحدها، بل يكشف أيضاً طبيعة منهج العمل الذي كان حاضراً في الإعداد للمخيم؛ فقد كان اختيار القيادات قائماً على الكفاءة والقدرة على أداء المهام، بحيث يتولى كل موقع من يملك مقومات النجاح فيه، بعيداً عن المجاملة التي قد تأتي أحياناً على حساب جودة العمل؛ فقد كان للقيادات الكشفية في تعليم الطائف دور بارز في الإعداد الأولي للمخيم، بقيادة الراحل صالح حلواني – رحمه الله – الذي بذل وفريقه جهداً كبيراً في التجهيز والإعداد، وأسهم ذلك، بعد توفيق الله، في الوصول إلى الجاهزية المطلوبة لاستضافة حدث كشفي عربي بهذا الحجم؛ كما كان للأخوة الزملاء عبدالله شويل وخالد الحقباني ومحمد العمري حضورهم في قيادة المعسكرات الفرعية، حيث تطلبت تلك المسؤوليات قدرة على التنظيم والمتابعة والتعامل مع التفاصيل اليومية التي تشكل في مجموعها صورة المخيم ونجاحه؛ وفي لجنة البرامج، قدم الزملاء بقيادة الأخ العزيز عقيل العقيل جهداً نوعياً في إعداد وتنفيذ البرامج، وهي من أهم المهام في أي مخيم كشفي؛ لأن نجاح البرامج هو الذي يمنح المناسبة مضمونها ويحول التجمع الكبير إلى تجربة تربوية وثقافية وإنسانية متكاملة؛ وكان للإعلام حضوره من خلال الفريق الذي قاده الأخ الفاضل محمد الطويان، حيث استطاع تقديم عمل إعلامي احترافي وفق الإمكانات المتاحة في ذلك الوقت، وتوثيق فعاليات المخيم والتعريف بها بما يتناسب مع أهمية المناسبة.
وربما تبدو هذه التفاصيل اليوم بسيطة لمن لم يعش تلك المرحلة، لكنها بالنسبة لمن شارك فيها تحمل قيمة مختلفة؛ فنجاح أي مناسبة كبيرة لا يصنعه اسم واحد، وإنما تصنعه منظومة من الرجال، لكل واحد منهم موقعه ودوره ومسؤوليته، ويصبح الإنجاز في النهاية حصيلة جهد جماعي؛ وهذا ما جعل العودة إلى تلك الصور أكثر من مجرد استعادة لذكريات قديمة؛ إنها عودة إلى مرحلة كان فيها العمل الميداني هو اللغة التي تجمع الجميع، وكانت الكفاءة معياراً مهماً في توزيع المسؤوليات، وكان نجاح المناسبة هو الهدف الذي تتجه إليه الجهود.
ومع مرور السنوات، تتغير المواقع، وتتبدل المسؤوليات، ويغيب بعض الرجال عن المشهد برحيلهم، لكن ما قدموه يبقى حاضراً في الذاكرة وفي الصور وفي أثر الأعمال التي شاركوا في صنعها.
رحم الله الدكتور محمد الأحمد الرشيد، ورحم الله صالح إبراهيم حلواني، ورحم كل من رحل من رجال تلك المرحلة، وحفظ الله من بقي، وأدام بينهم المودة والوفاء.
فبعض الصور لا تحتاج إلى شرح طويل؛ يكفي أن نتأمل الوجوه التي فيها لندرك أننا أمام جزء من تاريخ مرحلة، وذاكرة رجال، وقصة نجاح تستحق أن تُروى للأجيال.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top