✍️ بقلم: إبراهيم النعم
ما قيمةُ الصداقةِ إن غابَ عنها الصِّدق؟
فالصداقةُ الحقيقيةُ لا تُقاسُ بكثرةِ اللقاءات، ولا بطولِ السنين، وإنما تُقاسُ بصدقِ المشاعر، ونُبلِ المواقف، وحفظِ الغياب قبل الحضور.
فالصدقُ هو روحُ الصداقة، وإذا غابَ الصدقُ تحوّلت العلاقةُ إلى مجرّدِ معرفةٍ عابرة، مهما طال بها الزمن.
صديقٌ صادقٌ في الموقف، خيرٌ من أصدقاءَ كثيرين لا تجدهم عند الحاجة.
كنت حتى وقت قريب أظن أن الصداقة هي المحبة، وأنها التعارف الحسن وحفظ الوجوه والأسماء، وأن الابتسامة والزيارات المتبادلة دليل صفاء القلوب.
وكنت أعتقد أن الأصدقاء يفرحون لبعضهم عندما ينال أحدهم وظيفة أو ترقية، ويقفون معه بقلوب بيضاء لا تعرف الحسد ولا تضمر الضغينة.
لكن الواقع كثيرًا ما يخيّب الظن؛ فهناك من يتزيّن بالابتسامة في حضورك، ثم لا يلبث أن يسلّ سخريته وغيبة لسانه حين تغادر. وكما يقول المثل: “في وجهك مراية… وفي ظهرك مقص.
لكن حين يتغلغل الحقد في النفوس وتعلو الهمسات والوشايات، ينقلب المشهد تمامًا.
وأدهى من ذلك حين نلتقي من نعدّهم أصدقاء، فيستقبلوننا بابتسامة ضاحكة، وما إن نغادر مجلسهم حتى تنقلب أحاديثهم غيبةً ونميمة، وربما شتائم خفية. وكما يقول المثل:
“في وجهك مراية… وفي ظهرك مقص.
بعض النفوس حين يشتد فيها الحسد، تربط أي كلمة بنفسها، فتشعر بالتفاهة قبل أن تشعر بالتوجس، بينما الكلام في الحقيقة عام لا يخص أحدًا بعينه.
لكن ما أقسى أن تكتشف أن بعض الوجوه المشرقة في حضورك، تعتم حين تغادر، وأن الضحكة التي تُهدى إليك في المجلس تتحول في ظهرك إلى غيبة، وربما ما هو أشد.
إنها ازدواجيةٌ تصنعها نفوسٌ اعتادت أن تحمل مقصًا خلفها، ولو رفعت أمامك المرآة.
إن النفس حين يثقلها الحسد، تربط كل كلمة بها، وتظن أن العالم يقصدها، وأن النصوص لا تُكتب إلا عنها.
وما كانت الكلمات يومًا ملكًا لشخصٍ بعينه؛ هي للطريق، وللتجربة، ولمن يلتقط الحكمة منها.



