الوطنية الزائفة

 

بقلم علي حسن المفتاح

مع اقتراب المناسبات الوطنية، يتغير المشهد من حولنا بشكل جميل يبعث على الفخر. ترى الأعلام تزين السيارات والبيوت والمحلات، وتسمع الأغاني الوطنية في الشوارع، وتمتلئ حسابات التواصل الاجتماعي بصور القيادة وشعارات الوطن، وتجد الناس يتسابقون في التعبير عن محبتهم لهذه الأرض التي ننتمي إليها ونعتز بها.

وهذا كله جميل، ولا أحد يمكنه أن ينكر أن التعبير عن حب الوطن والفرح بمناسباته أمر يستحق أن يُفرحنا جميعًا.

لكن هناك مشهدًا آخر يستوقفني كلما رأيته، وربما يستحق منا أن نتوقف عنده قليلًا.

سيارة تسير في الشارع وقد غطاها صاحبها بالرسومات والأعلام والعبارات الوطنية، وصوت الأغنية الوطنية مرتفع حتى يسمعها من في البيوت، ومن خلف المقود شاب يرفع صوته فرحًا، ثم تأتي الإشارة الحمراء فيتجاوزها، أو يقود بسرعة جنونية، أو يستخدم هاتفه وهو يقود، أو يضايق سيارة أخرى، وكأن كل تلك الشعارات التي وضعها على سيارته لا علاقة لها بما يفعله خلف المقود.

أتساءل أحيانًا: لو كان الوطن الذي نردده في الأغنية حاضرًا في قلب هذا السائق، ألا يكون أول ما يخاف عليه هو حياة المواطن الذي يسير بجانبه؟

ما قيمة أن تكتب «دام عزك يا وطن» على سيارتك، ثم تعرض حياة الآخرين للخطر؟

والمشهد نفسه يتكرر في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بطريقة أخرى.

فتاة أو شاب يملأ صورة الحساب بصور القيادة، ويضع العلم، وينشر الأغاني الوطنية، ويكتب عبارات جميلة عن المملكة، ثم يبدأ البث المباشر، فتخرج ألفاظ لا تليق، أو إساءات للآخرين، أو سلوكيات واستعراضات لا تمثل الصورة التي قدمها قبل دقائق عن نفسه.

أنا هنا لا أطالب أحدًا بأن يكون نسخة مثالية من الإنسان، ولا أقول إن المواطن ممنوع من الفرح أو الترفيه أو استخدام مواقع التواصل كما يريد، ولكن عندما تختار أن تقدم نفسك للناس بوصفك شخصية مؤثرة أو معروفة، فأنت تتحمل مسؤولية الصورة التي تصنعها عن نفسك وعن مجتمعك، خصوصًا عندما يكون لديك جمهور يتابعك ويتأثر بك.

المشكلة ليست في الأغنية الوطنية، ولا في صورة القيادة، ولا في العلم الذي يرفرف فوق السيارة.

المشكلة عندما تصبح الوطنية مجرد ديكور نضعه حول سلوك لا علاقة له بالقيم التي نتحدث عنها.

وهنا في رأيي، يجب أن نعيد تعريف الوطنية في حياتنا اليومية.

فالمواطن الذي يحب وطنه لا يظهر حبه فقط عندما تأتي المناسبة الوطنية، بل يظهر ذلك عندما يكون في موقف لا يراه فيه أحد.

عندما يقف عند الإشارة في الثانية صباحًا ولا توجد سيارة شرطة حوله.

عندما يجد مكانًا عامًا متسخًا فيحافظ عليه بدل أن يزيده سوءًا.

عندما ينتهي من نزهته في البر أو البحر، فيجمع مخلفاته ويترك المكان كما وجده أو أفضل مما وجده.

عندما يرى عاملًا يعمل تحت الشمس فيتعامل معه باحترام، ولا يرى في وظيفته سببًا لاحتقاره.

عندما يدخل دائرة حكومية أو مستشفى أو مدرسة، فيحترم الموظف ومن ينتظر قبله، ولا يحاول أن يأخذ حق غيره لأنه يعرف شخصًا أو يملك واسطة.

عندما يكون له خلاف مع مواطن آخر، فيختلف معه دون أن يتحول الخلاف إلى سب وشتم وتشويه واتهامات.

عندما يجد ممتلكات عامة، فيتعامل معها على أنها أمانة، لا على أنها شيء لا يملكه أحد.

عندما يسافر خارج المملكة، فيتذكر أن تصرفه هناك قد يكون أول صورة يراها الآخرون عن السعوديين.

وعندما يستخدم حسابه في مواقع التواصل، يتذكر أن آلاف الأشخاص قد يرون ما يكتبه، وأن الشهرة ليست تصريحًا مفتوحًا للإساءة أو التجاوز.

بل حتى في أبسط الأمور؛ عندما يركن سيارته بطريقة لا تغلق على الآخرين، أو يترك مكانًا لذوي الإعاقة، أو يلتزم بالدور في طابور، أو يخفض صوته في مكان يحتاج إلى الهدوء، فهذه كلها مواقف صغيرة، لكنها تقول الكثير عن الإنسان الذي يقوم بها.

وقد يقول قائل: وما علاقة كل ذلك بالوطنية؟

العلاقة أن الوطن في النهاية ليس خريطة معلقة على الجدار فقط، ولا نشيدًا نردده، ولا مناسبة نحتفل بها مرة كل عام. الوطن هو الناس الذين نعيش بينهم، والشوارع التي نمشي فيها، والمدارس التي تعلم أبناءنا، والمستشفيات التي نعالج فيها، والحدائق التي نجلس فيها، والمرافق التي دفعت الدولة وأنفق المجتمع من أجل أن تكون موجودة، والنظام الذي وضع لكي يحفظ حقوق الجميع.

ولهذا فإن المواطن الذي يحافظ على هذه الأشياء يمارس الوطنية حتى لو لم ينشر صورة واحدة في حسابه.

وقد يكون هناك شخص لا يضع علمًا على سيارته، ولا يكتب عبارة وطنية في حسابه، ولا يعرف كيف يصنع مقطعًا مؤثرًا في المناسبة الوطنية، لكنه يؤدي عمله بأمانة، ويحترم النظام، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويعامل الناس بأخلاق، ويقوم بواجبه تجاه أسرته ومجتمعه؛ وهذا في نظري يقدم لوطنه كل يوم شيئًا لا تستطيع عشرات المنشورات أن تقدمه.

وفي المقابل، لا أظن أن من الإنصاف أن نعتبر كل من يحتفل أو يضع علمًا أو ينشر أغنية وطنية شخصًا منافقًا أو صاحب وطنية زائفة. كثير من الناس يفعلون ذلك عن حب صادق وفرح حقيقي، ولا ينبغي أن نحاكم النيات.

لكن ما نحتاج أن ننتبه إليه هو التناقض.

أن تقول شيئًا جميلًا عن الوطن ثم تفعل ما يناقضه.

أن تطلب من الناس احترام بلدك وأنت لا تحترم أنظمته.

أن تتحدث عن أخلاق السعوديين وأنت تسيء إلى عامل أو موظف.

أن تطالب الآخرين بالحفاظ على الممتلكات العامة وأنت تترك مخلفاتك في المكان الذي جلست فيه.

أن ترفع صورة القيادة ثم تجعل حسابك مساحة للتنمر والإساءة والعبارات التي لا تليق.

أن تقول إنك مؤثر وتمثل مجتمعك، ثم تتعامل مع التأثير وكأنه مجرد أرقام ومشاهدات.

هذه التفاصيل هي التي تجعلني أتساءل: هل أصبحنا أحيانًا نهتم بالصورة التي يراها الناس أكثر من الحقيقة التي نعيشها؟

نحن في المملكة العربية السعودية نعيش مرحلة مختلفة، مرحلة تتغير فيها المدن، وتكبر فيها المشاريع، وتتسع فيها الفرص، وتزداد فيها علاقتنا بالعالم، ويصبح المواطن السعودي حاضرًا في أماكن ومجالات لم يكن حضوره فيها بهذا الاتساع من قبل.

ومع هذا التغير، أصبحت مسؤولية المواطن أكبر.

لأن العالم لا يرى الحكومة وحدها، ولا يرى المشاريع وحدها، ولا يرى الشعارات الرسمية وحدها؛ العالم يرى المواطن أيضًا.

يراه في المطار، وفي الفندق، وفي الجامعة، وفي مواقع التواصل، وفي الأسواق، وفي الفعاليات، وفي أماكن العمل.

ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه عن بلدنا ليس دائمًا صورة جميلة للعلم، بل إنسانًا جميل السلوك يحمل هذا العلم.

أنا أحب أن أرى الشوارع مزينة بالأعلام، وأحب أن أسمع الأغاني الوطنية، وأحب أن أرى الناس يحتفلون ويعبرون عن فرحتهم، فهذا جزء من فرحتنا وانتمائنا، ولا أرى في ذلك مشكلة.

لكنني أتمنى، في الوقت نفسه، أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها احتفالنا بالوطن امتدادًا لما نفعله طوال العام، لا تعويضًا عنه.

أن تكون الوطنية في السيارة كما هي في الحساب.

وفي الحساب كما هي في العمل.

وفي العمل كما هي في البيت.

وفي البيت كما هي في الشارع.

فالوطن الذي نحبه اليوم هو نفسه الوطن الذي سيعيش فيه أبناؤنا غدًا، وما نتركه لهم ليس الصور التي نشرناها في مناسباتنا الوطنية، وإنما السلوك والثقافة والنظام والمرافق والسمعة والقيم التي ساهمنا جميعًا في بنائها.

ولذلك، ربما لا نحتاج إلى أن نسأل بعضنا كثيرًا: «كم تحب وطنك؟»

الأجمل أن نسأل أنفسنا سؤالًا أصعب:

ماذا قدمت لوطني عندما لم يكن هناك أحد يصورني؟

هناك، في تلك اللحظة تحديدًا، تظهر الوطنية الحقيقية.

الوطن يستحق منا أكثر من صورة جميلة.

ويستحق أكثر من أغنية مرتفعة الصوت.

ويستحق أكثر من منشور يحصل على آلاف الإعجابات.

الوطن يستحق أفضل ما فينا.

والوطن، بكل ما فيه من تاريخ وحاضر وطموح، أجمل بكثير عندما ينعكس حبه على سلوك أبنائه.

الوطن أجمل بنا… عندما تكون وطنيتنا حياة نعيشها، لا صورة نعرضها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top