قراءة وانطباع في كتابها الثاني «بعرشي تشهق الآلهة»
بقلم: صادق جواد المطر
لم تكن قراءتي لكتاب الأستاذة الشاعرة فاطمة عبد الله الدبيس الأول، «حُزنائيل»، قراءةً عابرةً تنتهي عند الصفحة الأخيرة؛ بل كانت بدايةَ تعارفٍ مع عالمٍ له لغته الخاصة، وصوره، وأسئلته، وفضاؤه الإنساني والروحي. وحين انتهيت منه، بقي لديّ شعورٌ صادق يدعوني إلى مواصلة المسير معها، لأرى كيف ستتسع تجربتها في كتابها الثاني.
لذلك كان حضوري أمسية تدشين كتابها الثاني، «بعرشي تشهق الآلهة»، في قاعة «شباب هاب» مساء الثالث من سبتمبر ٢٠٢٦م، فرصةً جميلةً للقاء هذا الكتاب عن قرب. ومنذ دخول القاعة، كان واضحًا أن الأمسية لم تُبنَ على فكرة تقديم كتابٍ وتوقيعه فحسب، بل على احتفاءٍ متكامل بالتجربة وبالحضور معًا.
وما لفتني أن الكتاب كان موضوعًا داخل علبةٍ أنيقة خُصّصت لكل مقعد في القاعة. ولم تكن هذه العلبة مجرد غلافٍ للكتاب، بل جاءت بتصميمٍ جميل يحمل اسم الشاعرة وشعارًا خاصًا وأجنحةً تضيف إليها دلالةً بصريةً لافتة. وقد عكست هذه التفاصيل ذائقةً عاليةً واهتمامًا حقيقيًا بالقارئ؛ إذ وصل الكتاب إلى الحضور كما تصل الهدية الثقافية، محفوظًا بعناية ومقدّمًا بصورة تليق به وبصاحبته.
ومن اللحظات التي بقيت عالقةً في ذاكرتي تلك اللحظة التي اصطف فيها الحضور لتوقيع الكتاب. وحين وصل دوري، قدّمتُ نسختي إلى الشاعرة لتكتب إهداءها وتوقيعها. كانت لحظةً يصعب عليّ وصفها؛ إذ شعرت أنني أقف أمام قامةٍ أدبية كبيرة، وأمام تجربة صنعت عالمها الخاص بالكلمة والخيال. أخذت الكتاب بين يديها ودوّنت إهداءها، فبدا الأمر بالنسبة إليّ أكثر من توقيعٍ على صفحة؛ كان ذكرى إنسانية وأدبية جميلة ستبقى مرتبطة بهذا الكتاب وتلك الأمسية.
ويقع «بعرشي تشهق الآلهة» في ثلاثمئةٍ وخمسٍ وسبعين صفحة، وقد جاء في حُلّةٍ أنيقة بغلافٍ صلبٍ متين، وألوانٍ جميلة وتفاصيل بصرية لافتة. وما يرافق صفحاته من رسومٍ ذات أجنحة وأجواءٍ حالمة يفتح بابًا بصريًا ينسجم مع روح النصوص وعناوينها.
ولا تقف التجربة عند القراءة الورقية وحدها؛ إذ يصحب الكتابَ كتيّبٌ صوتيٌّ مستقل يحمل عنوان «بعرشي تشهق الآلهة»، صُمّم بروحٍ بصرية تنسجم مع الكتاب. ويضم الكتيّب عناوين النصوص، وإلى جانب كل عنوان رمزُ استجابةٍ سريعة خاص به، يتيح للقارئ عند مسحه أن يستمع إلى النص بصوتٍ مسجّل وموسيقى مصاحبة. وهكذا لا يكتفي القارئ بقراءة القصيدة، بل يعيشها أيضًا عبر السمع، في تجربة تجمع الكلمة والصوت والجو البصري في آنٍ واحد.
وهذه العناية ليست زينةً خارجية، بل تبدو منسجمةً مع الفكرة التي يحملها الكتاب. فالنصوص تتحدث بلغتها عن العروج، والتحرر من المألوف، والبحث عن الذات، وتجاوز الحدود الضيقة للزمن والمكان. لذلك كان طبيعيًا أن تأتي التجربة أوسع من القراءة التقليدية، وأن تجتمع فيها الكلمة والصورة والصوت في مسارٍ واحد.
تأخذنا الشاعرة في كتابها الثاني إلى عوالم تمزج الخيال بالوجدان، والأنثى بالكون، والذات بأسئلتها الكبيرة. نلتقي فيها بالحزن والحب والغياب، وبالطفولة والوطن والحنين، وبالإنسان الذي يحاول أن يجد مكانه في الحياة من دون أن يتخلى عن حلمه. وهي لا تقدّم إجابات جاهزة، بل تترك في النص متسعًا للقارئ كي يضع تجربته الخاصة، ويصغي إلى صوته الداخلي.
وفي بعض النصوص يبدو العروج رغبةً في الانفلات من القيود، وفي نصوصٍ أخرى يصبح الرجوع إلى الداخل ضرورةً لفهم النفس. وبين هذا وذاك تبقى الكتابة نفسها نافذةَ نجاة؛ فعلًا يواجه به الإنسان هشاشته، ويصنع منه معنى، ويحاول أن يحوّل الألم إلى لغةٍ قابلة للحياة.
وما شدّني في هذا الكتاب أن لغته لا تسير في طريقٍ واحد؛ فهي حينًا شفافة وهادئة، وحينًا مشبعة بالدهشة والصور الكونية، وحينًا قريبة من الاعتراف الإنساني الذي لا يتكلّف ولا يختبئ. وهذا التنوع يجعل القارئ يتوقف عند النص، لا ليبحث عن معنى نهائي واحد، بل ليعيش معه حالةً من التأمل، ويعيد اكتشاف ما تثيره الكلمات في داخله من أسئلة ومشاعر.
لقد كان «حُزنائيل» بدايةً جعلتني أرغب في مواصلة القراءة، أما «بعرشي تشهق الآلهة» فقد أكّد لي أن هذه التجربة الشعرية لا تُقرأ على عجل. إنها تجربة تدعو قارئها إلى أن يبطئ، وأن ينصت، وأن يسمح للنص بأن يقوده إلى مساحةٍ أبعد من المعتاد.
وهنا تكمن قيمة هذا الكتاب: أنه لا يطلب من قارئه أن يمرّ به مرورًا سريعًا، بل يمنحه رحلةً كاملة؛ تبدأ من العلبة التي تستقبله بأناقة، وتعبر الغلاف والرسوم والكتيّب الصوتي والموسيقى، ثم تستقر في النص، حيث تبقى الأسئلة مفتوحة، ويبقى للروح مجالٌ كي تحلّق.
صادق جواد المطر



