حقس علينا يادار لنا

د.منى بنت علي الحمود

توليفة من الشعور بالانتماء والفخر والفرحة الجماعية، تحملها أداءات مفعمة بالكبرياء نصل لآخر فصولها بـ”حقس علينا يادار لنا”، يبدأ معها تناقص بالإيقاع، وتستعد السيوف والطبول بالعودة إلى أماكنها إعلانا بنهاية العرضة النجدية السعودية. يمكن أن يجسد هذا الحدث حقيقية ما يعرف ببداية النهاية، فالعرضة هنا تتحول من واجهة لفلكلور شعبي وإرث غير مادي إلى ميثاق يوقع في آخر سطورها. من هذه اللحظة تحديدا تنتقل العرضة من فعل أدائي ليبدأ الفعل الأخلاقي، حيث ترسم ملامح حق الوطن والمسؤولية تجاهه.
تتركني عبارة “حقس علينا يادار لنا” في حالة تأمل عميق بين شقيها: “حقس علينا” “يادار لنا” لتُفتح نافذة حول تساؤلات مهمة لعل من أوجهها: ما الفرق بين “حقس علينا يادارلنا” و”يادار لنا حقس علينا” وكيف تنتهي أحدهما عند بداية الأخرى نهاية ليست بالقطيعة، بل في تداخل وانسياب، حيث يصبح الوطن صاحب حق في الأولى، ويصبح المواطن موكول بهذا الحق بموجب الاضافة والنداء في الثانية، فيتراوح الأمر مابين فكرة الوطن الذي لنا إلى وطن له الحق علينا.
لعل الكثير منا يعرف ماذا يمنحه الوطن من إنتماء وخير وأمان وهوية، وفي المقابل للوطن علينا حق الحماية والدفاع والمحبة بأن نحفظ أرضه وذاكرته، ونصون ماضية ونعمر حاضره،ونبشر بمستقبله. لكن كل هذا يعيدني لتساؤلي الرئيس:
كيف نكون جديرين بالوطن؟
تشير مفردات العرضة إلى كلمة “دار” و”لنا”
وهذا الوصف يفوق مضمون الملكية بكثير، تتحرك الأصوات في العرضة بايقاع واتجاه واحد سواء فرديا أو جماعيا وبنص واحد مؤكدة على روح الشراكة في هذا الوطن وأنه لافرق في هذه الشراكة، وأن الدار لنا جميعا كأيقاع واحد. كما تنطوي مفردة “الدار” وهي وصف لما يألفه الفرد وينتمي إليه حتى لوكان بعيدا عنه؛ فالدار تحتفظ بآثار الحياة حتى مع الغياب أو البعد وهنا تتحول المفردة إلى صياغة أخلاقية بين الإنسان والمكان، تشير إلى مسؤلية أصحاب هذه الدار على مستوى الفرد والجماعة والمؤسسات المجتمعية.
من أعظم المسؤوليات تجاه الدار هو التمثيل الصادق لهويتها وتمثل الصورة الذهنية الحقيقية لها، ويكون ذلك من وازع الإخلاص مع تلك الدار؛ فنحن حلقة في سلسلة زمنية، ما ورثناه عمن سبقونا نسلمه لمن بعدنا، بعد أن نعيد صياغته ونضيف إليه ونحفظه. هنا يتغير مفهوم “الحق” بل والمسؤولية، فنكون بدل أن نقف أمام سؤال ماحقوق دارنا علينا؟ إلى الوقوف أمام ما الذي يجعلنا جديرين بأن تكون لنا هذه الدار؟ وأي إنسان يجب أن نكون حتى نستحقها؟ فليس مجرد أن نولد فيها، أو نحمل جنسيتها، أو نعيش على أرضها، يجعل لنا الاستحقاق بهذه الدار.
أن تكون مستحقا لهذه الدار فهذا يجعلك أمام معادلة كما أن لك حق في هذه الدار، فإن لها حقا عليك، وأن تسأل نفسك على الدوام ما الأثر الذي تركته في هذا الدار، وإلى أي مدى سيكون مستداما، وعلى أي حال سترث الأجيال القادمة هذه الدار منا، أن نقول “يا دار لنا” هو أن نعترف بانتمائنا إليها، لكن أن نقول “حقك علينا” فهو أن نعترف بأن هذا الانتماء لايكون إلا بمسؤولية وإخلاص، وهكذا يصبح “حقك علينا يا دار لنا” أكثر من عبارة تُقال في نهاية العرضة السعودية؛ إنها عهد أخلاقي بأن نكون نحن أهل الدار، على قدر مانحن أهلا لها.
———————
د.منى الحمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top