بقلم علي حسن المفتاح
بحكم عملي في المجال الإعلامي، وزياراتي المستمرة لمختلف الفعاليات والمهرجانات، أصبحت أرى المشهد من زاوية قد لا تلتفت إليها بعض الجهات المنظمة وهي منشغلة بالتجهيز والتنظيم واستقطاب المشاركين.
المشكلة لم تعد فقط في تكرار الوجوه، ولا في أن تجد الأسرة المنتجة نفسها في أكثر من مهرجان، وإنما في أن هذا التكرار بدأ ينعكس حتى على المشهد الإعلامي للفعاليات.
ومن أكثر المواقف التي أصبحت تضع الإعلامي أمام سؤال محرج: أن تغطي فعالية، وتجري لقاءات مع عدد من الأسر المنتجة والمشاركين، وتنشر تلك اللقاءات عبر منصتك الإعلامية، ثم لا تمضي سوى بضعة أيام، وربما لا تتجاوز أصابع اليد، حتى تجد نفسك أمام مهرجان أو فعالية أخرى، فتظهر أمامك الوجوه نفسها.
السؤال هنا ليس عن المشاركين فقط.
ماذا يفترض بالإعلام أن يفعل؟
هل يعيد اللقاء نفسه مع الأشخاص أنفسهم؟
هل يسأل الأسرة ذاتها الأسئلة ذاتها تقريبًا، ويعيد تقديم القصة نفسها للجمهور مرة أخرى؟
وهل من المنطقي أن تظهر المنصة الإعلامية في كل فعالية وكأن مهمتها الوحيدة هي إعادة نشر الأشخاص أنفسهم؟
بالنسبة للإعلام، المسألة ليست بسيطة كما قد تبدو للمنظم.
نحن عندما ندخل مهرجانًا لا نبحث فقط عن كاميرا ومقابلة سريعة. نبحث عن قصة جديدة، ومشروع جديد، وتجربة مختلفة، ووجه يستحق أن يعرفه الجمهور. نريد أن نقدم للمتابع شيئًا يستحق المشاهدة والقراءة، لا أن نعيد عليه المادة ذاتها التي شاهدها قبل أيام في فعالية أخرى.
وحين تتكرر الأسماء بهذه الصورة، يجد الإعلام نفسه في مأزق حقيقي.
لقد أجرينا اللقاء مع هذا المشارك في الفعالية السابقة.
وتحدثنا عن مشروع هذه الأسرة في المهرجان الماضي.
وقدمنا قصة هذا المنتج قبل أيام.
فماذا سنقدم اليوم؟
هل نعيد التصوير فقط لأن المكان تغير؟
وهل يصبح اختلاف اسم المهرجان كافيًا لصناعة مادة إعلامية جديدة، بينما المحتوى البشري نفسه لم يتغير؟
المفارقة أن الجهة المنظمة قد ترى في الأمر نجاحًا؛ لأنها استطاعت استقطاب مشاركين لديهم خبرة سابقة، بينما يراه الإعلام من زاوية مختلفة تمامًا.
التكرار يقتل قيمة التغطية.
ويجعل بعض الفعاليات تبدو إعلاميًا وكأنها نسخة أخرى من فعالية سبقتها، حتى لو اختلف الاسم والموقع والبرنامج.
والأكثر إحراجًا أن وسائل الإعلام عندما تتواجد في فعالية وتجد المشاركين أنفسهم الذين قابلتهم قبل أيام، فإن خياراتها تصبح محدودة. إما أن تعيد إنتاج المادة نفسها، وهذا يضعف المحتوى ويزعج الجمهور، أو تبحث عن شيء آخر لتغطيته، وقد لا تجد جديدًا كافيًا بسبب محدودية دائرة المشاركين.
وهنا لا أتحدث عن الإعلام باعتباره طرفًا يبحث عن مادة بأي طريقة.
الإعلام لديه مسؤولية مهنية تجاه جمهوره.
عندما ننشر لقاءً مع أسرة منتجة، فإننا نقدمها للجمهور باعتبارها تجربة تستحق الاهتمام. وعندما نكرر الأسرة نفسها في كل مهرجان، فإن الرسالة غير المقصودة التي تصل إلى المتلقي قد تكون مختلفة تمامًا:
هل هذه هي الأسر الوحيدة التي تستحق الظهور؟
هل هذه هي المشاريع الوحيدة الموجودة في المحافظة؟
هل لا يوجد غير هذه الوجوه؟
بالطبع يوجد غيرهم.
وهنا تكمن المشكلة.
في محافظاتنا آلاف الأسر المنتجة، وأعداد كبيرة من أصحاب المشاريع والمواهب والحرفيين والمبتكرين، لكن المشهد في بعض الفعاليات يوحي بأن قاعدة المشاركين لا تتجاوز مجموعة محدودة من الأسماء.
وهذا ظلم للطرف الذي لم يحصل على الفرصة، وإرباك للإعلام، وإفقار للمشهد نفسه.
ولا أقول إن الأسرة أو المشارك الذي نجح في فعالية يجب منعه من المشاركة في غيرها. هذا ليس منطقيًا، وليس المقصود.
المقصود أن النجاح لا ينبغي أن يتحول إلى مقعد دائم في كل فعالية.
فمن حق المشارك المميز أن يعود، ومن حق الأسرة الناجحة أن تتكرر مشاركتها، لكن من حق عشرات الأسر الأخرى أيضًا أن تحصل على فرصة أولى.
والحل ليس معقدًا كما قد يتصور البعض.
يمكن للجهات المنظمة أن تضع قاعدة بيانات موحدة للأسر المنتجة والمشاريع والمشاركين، وأن تفتح باب التسجيل قبل كل موسم، وأن تضع معايير معلنة للاختيار، وأن تراعي التنوع والتجديد، وأن تمنح مساحة حقيقية للأسماء الجديدة.
ويمكن ببساطة أن تسأل الجهة المنظمة نفسها قبل اعتماد قائمة المشاركين:
كم مشاركًا جديدًا لدينا هذه المرة؟
هذا السؤال وحده قد يغير كثيرًا من الأشياء.
أما أن تتنقل الأسماء نفسها بين الفعاليات، ثم نطلب من الإعلام أن يغطي كل فعالية وكأنها تجربة جديدة بالكامل، فهذه معادلة يصعب على الإعلام حلها.
الإعلام ليس آلة لإعادة تدوير المقابلات.
وليس مطلوبًا من الصحفي أو المراسل أن يصنع جديدًا من شيء لم يتغير.
وإذا كانت كل فعالية تقدم لنا الأشخاص أنفسهم، فإننا في النهاية سنصل إلى مرحلة يذهب فيها الإعلامي إلى المهرجان، ينظر حوله، ثم يقول في داخله:
لقد التقينا بهم جميعًا في المهرجان السابق.. فماذا لدينا اليوم؟
وهنا لا تتضرر التغطية الإعلامية وحدها.
بل تتضرر صورة المهرجان نفسه.
لأن كثرة ظهور الأشخاص أنفسهم في التغطيات الإعلامية قد تعطي، من دون قصد، انطباعًا بأن المشهد المحلي محدود، وأن الفرص تدور في دائرة ضيقة، وأن الإعلام يحضر فقط لكي ينشر للأسماء ذاتها.
وهذا انطباع لا أعتقد أن أي جهة منظمة ترغب في أن يصل إلى الجمهور.
نحن بحاجة إلى مهرجانات تكتشف الناس، لا مهرجانات تكررهم.
بحاجة إلى جهات تنظيمية تبحث عن الأسرة التي لم يسمع بها أحد، والمشروع الذي بدأ بالأمس، والحرفة التي تكاد تختفي، والشاب الذي صنع منتجًا من منزله، والسيدة التي حولت مهارتها إلى مصدر دخل، والمبدع الذي لم يجد حتى الآن منصة تعرض تجربته.
هؤلاء هم الذين يمنحون المهرجان قيمة إضافية.
وهؤلاء أيضًا يمنحون الإعلام مادة جديدة.
أما أن نذهب إلى مهرجان بعد آخر لنلتقي بالأشخاص أنفسهم، ثم نطلب من الإعلام أن يواصل التغطية بالوتيرة ذاتها، فالأمر يحتاج إلى مراجعة جادة.
لأن القضية في النهاية ليست قضية إعلامي يبحث عن مقابلة جديدة.
وليست قضية أسرة تريد المشاركة في مهرجان جديد.
إنها قضية عدالة في توزيع الفرص، وتجديد في المشهد، وجودة في المنتج الإعلامي.
والجهة المنظمة التي تريد مهرجانًا مختلفًا، عليها ألا تكتفي بتغيير الديكور والعنوان.
عليها أن تغير أيضًا قائمة الأسماء.
فقد يكون المهرجان جديدًا في اللافتة، جديدًا في الموقع، جديدًا في البرنامج…
لكن إذا كانت الوجوه نفسها، فسيبقى السؤال حاضرًا:
ما الجديد الذي يفترض على الإعلام أن يرويه هذه المرة؟



