«بدايات».. أنهار هوساوي تقرأ ذاكرة الفن السعودي وتحولاته

الإرتقاء ــ ماهر طلعت

يستعيد معرض «بدايات» جانبًا من ذاكرة الفن السعودي، ويعيد تقديم المراحل الأولى التي أسهمت في تشكيل الحركة الفنية الحديثة في المملكة، من خلال مشروع بحثي وتوثيقي يربط بين الأعمال الفنية وسياقاتها التعليمية والثقافية والاجتماعية.

وترى الباحثة في سوسيولوجيا الثقافة في الفنون والفنانة البصرية أنهار هوساوي أن المعرض يمنح الجمهور فرصة للنظر إلى تاريخ الفن السعودي من موقع الحاضر، في وقت تشهد فيه الممارسة الفنية اتساعًا ملحوظًا وتنوعًا في المؤسسات والمسارات، مع استمرار الحاجة إلى العودة للجذور وتوثيقها وإتاحتها للأجيال الجديدة.

وانتقل معرض «بدايات» من عرضه الأول في الرياض، بالتعاون مع هيئة الفنون البصرية، إلى مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، حاملًا مشروعًا يستعرض مرحلة تأسيسية من تاريخ الحركة الفنية السعودية الحديثة.

وتشير هوساوي إلى أن أهمية المعرض لا تتوقف عند جمع الأعمال الفنية وعرضها، بل تمتد إلى قراءة التحولات التي مر بها الفن السعودي في سياق أوسع ارتبط بالتعليم والمعرفة والممارسة ودور المؤسسات والتحولات الاجتماعية والثقافية.

ومن واقع تخصصها وممارستها الفنية، قرأت هوساوي المعرض باعتباره شاهدًا على تراكم معرفي متواصل، وليس مجرد تسلسل زمني للأعمال، موضحة أن الحركة الفنية تشكلت عبر منظومة متكاملة شارك فيها المعلم والفنان والمؤسسة والمبتعث والباحث؛ فمنهم من نقل المعرفة، ومنهم من اختبر لغات فنية جديدة، ومن عاد إلى المملكة حاملًا خبرات مختلفة، وصولًا إلى الباحث الذي يوثق المراحل ويحفظها للأجيال التالية.

التعليم في قلب التحولات الفنية

وتعيد هذه القراءة الاعتبار إلى التعليم باعتباره أحد المسارات المهمة في تشكل الحركة الفنية السعودية؛ فمن التعامل مع الفن بوصفه حرفة ومهارة، إلى حضور التربية الفنية في التعليم، ثم اتساع فرص دراسة الفنون وتاريخها وطرائق تدريسها، تراكمت طبقات متتابعة من المعرفة والممارسة.

ومع عودة عدد من الفنانين الذين تلقوا تعليمهم خارج المملكة، انتقلت إلى البيئة المحلية خبرات وأسئلة وأساليب جديدة، أسهمت في توسيع مساحة التجريب وفتحت الطريق أمام أجيال لاحقة من الفنانين.

وتؤكد هوساوي أهمية التوثيق في فهم تاريخ الفن، فالعمل الفني يحمل تجربة صاحبه، بينما تكشف الوثائق والشهادات والتاريخ الشفهي والمواد الأرشيفية عن السياق المحيط بهذه التجربة، ما يسمح بتكوين صورة أكثر شمولًا يمكن دراستها ومراجعتها وإعادة قراءتها بمرور الزمن.

من قراءة المعرض إلى المشاركة فيه

ولم تقتصر علاقة هوساوي بـ«بدايات» على زيارة المعرض وقراءته، إذ شاركت بصفتها موجّهة فنية ضمن الجولة، كما استُضيفت في اللقاء المصاحب الذي أقامه نادي مدى الثقافي في «استوديو الفن» بمركز «إثراء».

وتصف هوساوي هذه المشاركة بأنها انتقال من موقع قراءة الذاكرة الفنية إلى المشاركة في تقديمها للجمهور، بما يمنح المعرفة مساحة أوسع للانتقال والحوار.

كما حملت التجربة بالنسبة لها بُعدًا شخصيًا، نتيجة معاصرتها عددًا من الفنانين الذين حضرت أعمالهم في المعرض، بينما ظلت أسماء أخرى غابت عن المشهد حاضرة من خلال أعمالها، في صورة تعكس إحدى أهم وظائف الفن في حفظ أثر الإنسان وإبقاء تجربته ممتدة بعد زمنها.

«بدايات مشرقة»

ومن هذا المنطلق، أطلقت أنهار هوساوي على تجربتها مع المعرض وصف «بدايات مشرقة»، معتبرة أن البدايات التي يكشف عنها المعرض لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تمتد آثارها إلى المشهد الفني السعودي المعاصر.

وترى أن ما يشهده القطاع الفني اليوم من اتساع في الممارسة وتنوع في التجارب يرتبط، في جانب منه، بما تأسس خلال تلك المراحل المبكرة، وهو ما يجعل استكمال عمليات التوثيق وحفظ التجارب والأسماء والسياقات مسؤولية ثقافية ومعرفية تجاه الأجيال المقبلة.

وأعربت هوساوي عن تقديرها لنادي مدى الثقافي لاختيارها للمشاركة، ولجهود هيئة الفنون البصرية في الجانب البحثي والتوثيقي للمشروع، إلى جانب استضافة مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» للمعرض وفتح مساحة للحوار حول تاريخ الفن السعودي ضمن المشهد الثقافي الأوسع.

وفي قراءتها للمشهد، لا تنظر هوساوي إلى «بدايات» باعتباره عودة إلى زمن سابق بقدر ما تراه دعوة للتأمل في السلسلة التي أوصلت الفن السعودي إلى واقعه الحالي؛ فالمشهد المعاصر هو ثمرة مراحل طويلة من التعليم والممارسة والتجريب والتوثيق، وما يُنجز اليوم سيصبح بدوره جزءًا من تاريخ تقرؤه الأجيال المقبلة.

وتختصر هوساوي رؤيتها بالتأكيد على أن الفخر بالإرث الفني يكتسب معناه حين يتحول إلى معرفة، والمعرفة إلى توثيق، والتوثيق إلى أثر؛ ليبقى الفن شاهدًا على وطن عريق الجذور، نابض الذاكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top