فوزٌ عابرٌ للقارات!

 

بقلم :محمد الجعيد

كانت مباراةً خليجية جدًا إلى الحد الذي احتاجت معه بعض الأسماء في قائمة المباراة إلى شيءٍ من المعرفة بالجغرافيا.
تلتقي السعودية والإمارات في نهائي الخليج؛ عنوانٌ بسيط، يوحي بأن المسافة بين طرفي الملعب لا تتجاوز حدود الجزيرة، لكن كرة القدم الحديثة لا تعترف دائمًا بخرائط الأطلس ،فبعض المنتخبات باتت خرائطها أوسع من بطولاتها.
على الورق أحد عشر لاعبًا أمام أحد عشر ، وعلى العشب كانت المسألة أعقد قليلًا.
فهناك قميص يمكن أن تمنحه اللوائح للاعب، وهناك قميص آخر يحتاج سنواتٍ طويلة حتى يمنح اللاعب نفسه له.
والفرق بين الاثنين لا يظهر في خانة الجنسية يظهر حين تبدأ المباراة ، فكرة القدم في النهاية، لعبة بسيطة أفسدنا بساطتها بكثرة المشاريع.
نبحث عن الموهبة، فإن لم نجدها سريعًا بحثنا عن جوازٍ جديد لها.
نريد اختصار السنوات، وتسريع النتائج، والوصول إلى المنصة قبل أن ينتهي بناء الدرج.
ولا مشكلة في التجنيس من حيث المبدأ؛ فالرياضة العالمية تعرفه، والأنظمة تسمح به، ودول كثيرة استفادت منه.
لكن المشكلة تبدأ حين نتصور أن الهوية أيضًا يمكن إنجاز معاملتها في النافذة نفسها.
فالجواز وثيقة مهمة…لكنه لم يتعلم حتى الآن كيف يعرق.
في النهائي، لم تكن الأسماء هي التي تلعب وحدها ، كانت هناك أشياء لا تظهر في التشكيلة المنشورة قبل المباراة.
طفولةٌ عرفت هذا القميص قبل أن ترتديه ، ومدرجاتٌ يحفظ اللاعب أصواتها قبل أن تحفظ الجماهير اسمه.
أبٌ ربما أخذه صغيرًا إلى مباراة للمنتخب، ثم عاد الابن بعد أعوام ليلعب المباراة التي كان يشاهدها ، وشعورٌ غامض لا تستطيع لوائح الاتحاد الدولي أن تضع له مادة، ولا لجان التسجيل أن تطلب له مستندًا .

الانتماء الوجداني هو ذلك اللاعب الذي حين ينظر إلى الشعار على صدره لا يرى جهةً يمثلها فقط…يرى شيئًا منه.
ولهذا كانت بعض الكرات في النهائي أكبر من كرة ،ركضةٌ إضافية حين انتهى الهواء ، وقدمٌ امتدت في اللحظة الأخيرة ، التحامٌ كان يمكن تجنبه، لكنه لم يفعل.
وحين كانت المباراة تطلب من أحدهم أكثر مما في ساقيه، بحث في مكان آخر داخله.
هناك أشياء في كرة القدم لا تلتقطها أجهزة قياس الأداء ، لا يوجد حتى الآن جهاز يقيس مقدار الوطن في صدر لاعب ، ولو وُجد لربما تغيرت بعض حسابات سوق الانتقالات الدولية!
والمفارقة أن زمننا يحب الحلول السريعة فنستورد الخبرة، ونشتري التقنية، ونتعاقد مع الأفضل، وهذه كلها أدوات مشروعة لصناعة النجاح.
لكن الإنسان ليس قطعة غيار ، والمنتخب تحديدًا ليس ناديًا آخر.
في النادي تستطيع أن تجمع العالم كله في غرفة ملابس واحدة، وهذه إحدى جماليات كرة القدم.
أما المنتخب، ففكرته مختلفة إنه ليس أفضل أحد عشر لاعبًا تستطيع جمع جوازاتهم بل أحد عشر إنسانًا يفترض أن يجمعهم معنى واحد.
ولهذا تبدو كلمة «منتخب» جميلة في العربية ، فنحن ننتخب من أبناء اللعبة من يمثل البلاد ، لا نبحث عن بلدانٍ تمثل المنتخب.
فاز الأخضر ، وقد يكون الفوز في سجلات البطولة مجرد كأس جديد يضاف إلى خزانة تعرف الكؤوس.
لكن بعض الانتصارات تمنحك فكرةً أكثر من منحك بطولة.
تذكّرك أن الاستثمار الأطول قد يكون أبطأ، لكنه أبقى؛ أن تصنع اللاعب، وتمنحه الفرصة، وتجعله يحلم بالقميص قبل أن يرتديه.
فالذي يأتي إلى المنتخب وهو يحمل حلمًا قديمًا، لا يحتاج يوم المباراة إلى أن نشرح له قيمة الشعار .
ولا ينبغي أن نحمّل مباراة كرة قدم أكثر مما تحتمل.
فهي في النهاية تسعون دقيقة، والفائز اليوم قد يخسر غدًا، والكرة لا توقع تعهدًا لأحد.
لكنها، بخبثها الجميل، تكشف أحيانًا ما تحاول الجداول والأرقام إخفاءه.
يمكنك أن تختصر طريقًا إلى الموهبة، ويمكنك أن تختصر طريقًا إلى الاحتراف ، ويمكن — ببعض الأوراق والأختام — أن تختصر حتى الطريق إلى الجنسية الرياضية.
لكن ثمة طريقًا واحدًا يصعب اختصاره: الطريق من القميص إلى القلب.

لَرُبَّما…
كان نهائيًا خليجيًا…لكن الفوز عابر للقارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top