الباحة – د. نوف الرويسان :
في حوار مع الأستاذ جمعان الكرت، رئيس اللجنة الإعلامية لفعاليات سوق رغدان التاريخي، طرحنا سؤالًا حول أبرز مزايا السوق ومكانته التاريخية والجغرافية والتراثية، وما يمثله من فرص واعدة للتنمية السياحية والاقتصادية في منطقة الباحة.
وقد أجاب مشكورًا، مستعرضًا أبرز مقومات السوق، وأبعاده التاريخية والثقافية، ورؤيته المستقبلية لإحياء هذا المعلم العريق.
أولًا: المزايا التاريخية لسوق رغدان
يضرب سوق رغدان التاريخي بجذوره في أعماق التاريخ، فقد كان محطة مهمة لحجاج وسكان جنوب الجزيرة العربية، وكان نشاطه يمتد ثلاثة أيام، وفقًا لبعض أوصاف المؤرخين والرحالة.
ومن أبرز الشواهد التاريخية التي تعكس مكانته:
* إشارة الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت إليه عام 1230هـ، ووصفه بأنه السوق الرسمي لغامد.
* ظهوره في رسومات وخرائط جغرافية قديمة.
* ارتباطه بأحداث تاريخية مهمة، منها مقتل القائد التركي أحمد باشا، والمعركة الشهيرة بين الأتراك وعائض بن مرعي، وفق ما أورده عدد من المؤرخين، منهم الدكتور محمد بن زلفه والدكتور عمرو العمري.
* احتضانه مقار لحكومات سابقة.
* استقبال أهالي رغدان الملك سعود في حفل كبير أُقيم على ضفاف وادي قوب.
كما تحتفظ الذاكرة التاريخية بوثيقة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة قرون، تتناول حربًا وقعت عام 1041هـ، عُرفت باسم «عام الشردة»، وشهدت حرق البيوت وهدم الحصون، في دلالة على ما شهدته المنطقة من أحداث تاريخية مؤثرة.
ثانيًا: الموقع الجغرافي وأهميته
تتمتع رغدان بموقع جغرافي مميز في بلاد غامد وزهران، وقد أسهم موقعها في تعزيز مكانتها التجارية والاجتماعية عبر العصور.
فقد كان طريق عقبة رغدان يربط السراة بتهامة، وتسلكه الدواب والمشاة وصولًا إلى سوق الأحد. أما اليوم، فيمر بها طريق الملك عبدالعزيز الحيوي الرابط بين الطائف وأبها.
ويعزز وادي قوب الخصب أهمية الموقع؛ إذ نشأت على ضفافه المدرجات الزراعية التي أسهم إنتاجها في تموين السوق وتلبية احتياجات مرتاديه.
وتُعد رغدان اليوم أحد أحياء مدينة الباحة، وتبعد نحو 45 كيلومترًا عن مطار الملك سعود بمحافظة العقيق، كما تجاور منتزه رغدان، أحد أبرز الوجهات السياحية في المنطقة. وتشير دراسة، بحسب ما أُفيد، إلى أن 95% من زوار الباحة يمرون بالمنتزه.
ثالثًا: الدور التجاري لسوق الأحد
أدى سوق الأحد التاريخي دورًا تجاريًا محوريًا في أزمنة سابقة، إذ استقطب البائعين والمشترين من مختلف أنحاء المنطقة، ومن مواقع قريبة من منطقة الباحة وخارجها.
وتنوعت بضائعه بين منتجات الأهالي المحلية والسلع التي كانت تصل عبر ميناء القنفذة إلى المخواة، ثم تُنقل صعودًا عبر الطرق الجبلية التي شقها الإنسان في التضاريس الانحدارية، لتصل إلى أسواق السراة.
وهكذا لم يكن السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان ملتقى اقتصاديًا واجتماعيًا تتقاطع فيه المصالح، وتتبادل عبره الأخبار والخبرات، وتتوطد العلاقات بين أبناء القرى والمناطق المجاورة.
رابعًا: جهود أبناء رغدان في التنمية
شهدت رغدان مبادرات نوعية من رجال أوفياء الأستاذ سعيد بن أحمد آل طاوي وأخوانه الكرام سخّروا إمكاناتهم لخدمة المكان وأهله، من خلال تشييد مبنيين كبيرين على نفقتهم الخاصة؛ أحدهما فندق بمواصفات عالية، والآخر مخصص لتقديم خدمات اجتماعية وتنموية متنوعة.
وتجسد هذه المبادرات روح المسؤولية المجتمعية، وتعكس إيمان أبناء رغدان بأهمية الاستثمار في المكان، وتعزيز مقوماته السياحية والتنموية، وتهيئة بيئة جاذبة للزوار والمستثمرين.
خامسًا: رؤية مستقبلية لتطوير السوق والقرية التراثية
يرى الأستاذ جمعان الكرت أن استثمار المقومات التاريخية والجغرافية والتراثية لرغدان يتطلب خطوات عملية، من أبرزها:
1. تسهيل الوصول من طريق الملك عبدالعزيز إلى ساحة السوق، ومنها إلى منتزه رغدان.
2. إعداد دراسة تخطيطية متكاملة للقرية التراثية والسوق التاريخي، بالتعاون مع مكتب استشاري متخصص.
3. المحافظة على المباني القائمة، والعمل على رفع مستوى تصنيف الموقع التراثي.
4. الإسراع في ترميم المنازل القديمة بالتنسيق مع الجهة المختصة، ممثلة في هيئة التراث.
ومن شأن هذه الخطوات أن تسهم في تحويل القرية إلى وجهة تراثية وسياحية متكاملة، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وخلق فرص تنموية تتناغم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
سادسًا: أبعاد إحياء سوق رغدان التاريخي
ويضيف الأستاذ جمعان الكرت أن إحياء سوق رغدان التاريخي لا يقتصر على استعادة نشاطه التجاري، بل يمتد إلى أبعاد متعددة تتكامل فيما بينها:
1. البعد التاريخي
تتجلى القيمة التاريخية لرغدان في الوثائق والشواهد التي تحفظ أحداث الماضي، وفي مقدمتها الوثيقة المرتبطة بعام الشردة سنة 1041هـ، وما ترويه من أحداث تعكس مكانة المنطقة وتحولاتها عبر الزمن.
2. البعد التراثي
تزخر قرية رغدان بمنازل تراثية توثق تفاصيل الحياة القديمة، وتكشف جمال العمارة التقليدية في منطقة الباحة. وقد امتزجت بعض هذه العمارة لاحقًا بالطراز الحجازي، وهو ما يظهر في المباني التي شُيدت قبل نحو ثمانين عامًا، إلى جانب المباني الحجرية الأقدم التي ما تزال شاهدة على أصالة المكان وعمق تاريخه.
3. البعد الثقافي
يمثل الموروث الثقافي ركيزة أساسية لتعزيز الهوية الوطنية، ومن المهم أن تتعرف إليه الأجيال الجديدة، وتستوعب ما تحمله حياة الآباء والأجداد من قيم العمل والصبر والانتماء، وأن تربط هذا الإرث العريق بما تشهده المملكة من نهضة حضارية شاملة، تمثل منطقة الباحة إحدى صورها المشرقة.
4. البعد الإعلامي
كان سوق رغدان في الماضي منبرًا إعلاميًا واجتماعيًا تنتقل عبره الأخبار إلى القرى المختلفة، من خلال «البدوة» التي كانت تُنظَّم لنقل الرسائل الرسمية، والإعلان عن الأحداث المهمة، والدعوة إلى الإصلاح، وتقديم النصح، وتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية.
أما اليوم، فقد امتد هذا الدور إلى الإعلام الرقمي، إذ ينقل الزوار عبر هواتفهم الذكية صور السوق وفعالياته ومشاهده إلى مختلف أنحاء العالم. وهكذا يظل السوق حاضرًا في الذاكرة، وإن اختلفت وسائل التواصل وتطورت أدواتها.
نسخة ثانية بطموح أكبر
ونتيجة للنجاح الذي حققه سوق رغدان التاريخي في برامجه وفعالياته خلال العام الماضي، جاء إصرار أبناء رغدان، تحت مظلة جمعية رغدان للتنمية والخدمات الاجتماعية، على تقديم نسخة ثانية أكثر نضجًا وطموحًا، تستثمر ما تحقق من نجاح، وتبني عليه، إيمانًا بأن القادم سيكون، بمشيئة الله، أجمل وأثرى.
ويختتم الأستاذ جمعان الكرت حديثه بالتأكيد على أن رغدان ليست مجرد قرية تحتضن سوقًا تاريخيًا، بل ذاكرة مكان تختزن حكايات الإنسان، وشواهد التاريخ، وملامح التراث الأصيل.
وها نحن اليوم نحتفي برغدان تاريخًا وتراثًا وإنسانًا ومكانًا؛ فكل زاوية في هذه القرية العريقة تحمل حكاية، وكل حجر فيها يروي فصلًا من تاريخ يستحق أن يُروى، وأن يُصان، وأن يُورَّث للأجيال القادمة.
إن إحياء سوق رغدان التاريخي ليس استعادةً للماضي فحسب، بل استثمارٌ واعٍ فيه، يربط أصالة الأمس بفرص الغد، ويجعل من التراث رافدًا للثقافة والسياحة والتنمية الاقتصادية، بما يعزز مكانة منطقة الباحة ويواكب تطلعات رؤية السعودية 2030.



