ليست جودة الخدمات الصحية في توفر العلاج والتطعيمات فحسب، بل تمتد إلى تفاصيل صغيرة تصنع فارقاً كبيراً في نفوس المراجعين؛ تبدأ من نظافة المكان وجمال بيئته، وتمر بحسن الاستقبال ولباقة التعامل، وتنتهي بشعور المراجع بأنه محل اهتمام وتقدير؛ وتلك التفاصيل هي التي تمنح الخدمة معناها الإنساني، وتجعل من أداء الواجب رسالة تتجاوز حدود الوظيفة إلى رحابة المسؤولية والانتماء.
هذا ما لمسته خلال زيارتي لمركز الرعاية الصحية في نزوى بمحافظة وادي الدواسر، للحصول على جرعة لقاح الإنفلونزا الموسمية، بعد حجز الموعد عبر تطبيق “صحتي”؛ فمنذ وصولي، استوقفني الفناء الخارجي للمركز، بما يضمه من حديقة جميلة تضفي على المكان بهجة وراحة للنفس، وتمنح المراجع انطباعاً إيجابياً قبل أن تطأ قدماه أبوابه.
وعند الدخول، وجدت بيئة صحية تستحق الإشادة؛ نظافة واضحة، ومقاعد منظمة، ومعقمات متاحة، ولوحات إرشادية تسهم في تسهيل حركة المراجعين وتوجيههم؛ مشهد يعكس عناية بالمكان، واهتماماً بالتفاصيل، وإدراكاً لأهمية البيئة الصحية في تعزيز راحة المستفيد وطمأنينته.
لكن جمال المكان لم يكن وحده موضع الإعجاب؛ فقد كان للإنسان الحاضر فيه أثره الأجمل؛ شباب سعوديون يؤدون مهامهم بروح إيجابية، ويستقبلون المراجعين ببشاشة وابتسامة، ويحرصون على تقديم الخدمة بكل لباقة واحترام؛ وقد وجدت في الموظف الذي استقبلني نموذجاً للتعامل الراقي الذي يجعل المراجع يشعر بأنه أمام إنسان يستشعر قيمة عمله، ويدرك أن الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة جزء أصيل من جودة الخدمة.
وعندما أوضحت حاجتي إلى التطعيم، اعتذر الموظفون بكل مهنية عن عدم توفره في ذلك اليوم، لكنهم لم يكتفوا بالاعتذار، بل بادروا إلى التواصل مع مركز الرعاية الصحية بالنويعمة للتحقق من توفر اللقاح، وجاءني الرد بوجوده هناك؛ فكانت هذه المبادرة البسيطة في ظاهرها، الكبيرة في معناها، عنواناً لروح المسؤولية والحرص على خدمة المستفيد، إذ لم يكن همهم إنهاء الموقف باعتذار، بل مساعدتي على الوصول إلى الخدمة التي جئت من أجلها.
توجهت إلى مركز الرعاية الصحية بالنويعمة، وهناك استقبلني شباب سعوديون آخرون بالروح الطيبة ذاتها، والحرص نفسه على تقديم الخدمة، حتى شعرت بأنني أمام فريق لا يكتفي بأداء واجباته، بل يسعى إلى أن يجعل تجربة المراجع أكثر يسراً وراحة.
وما أجمل أن يجد الإنسان هذا المستوى من الاهتمام في مركزين صحيين، تتكامل فيهما العناية بالمكان مع حسن التعامل، وتلتقي فيهما جودة البيئة بروح العاملين؛ فالمكان الجميل يبعث الراحة، لكن الإنسان الذي يحسن استقبال الآخرين هو من يمنح ذلك الجمال روحه الحقيقية، ويحول المرافق العامة من مبانٍ تقدم الخدمات إلى بيئات إنسانية يشعر فيها الجميع بالتقدير والاحترام.
إن هذه التجربة تعيد التأكيد على حقيقة نعتز بها دائماً: أن أبناء الوطن هم الأقدر على فهم احتياجات مجتمعهم، والأقرب إلى نبض أهله، والأجدر بحمل مسؤولية خدمته متى ما توفرت لهم البيئة المناسبة، والتأهيل الجيد، والثقة التي يستحقونها؛ فالوطن لا ينهض بالمباني والتجهيزات وحدها، وإنما ينهض بسواعد أبنائه وبناته، وبإخلاصهم في أعمالهم، وبما يقدمونه من عطاء يلامس حياة الناس ويترك أثراً طيباً في نفوسهم.
وليس المقصود بذلك الانتقاص من جهود أي إنسان يسهم في خدمة المجتمع، بل الاعتزاز بالكفاءات الوطنية التي نراها في مواقع العمل المختلفة، ونفخر بها وهي تقدم صورة مشرقة عن شباب المملكة وقدرتهم على تحمل المسؤولية، وصناعة الفرق، والارتقاء بمستوى الخدمات؛ فالموظف الذي يؤدي عمله بإتقان، ويستقبل الناس باحترام، ويبادر إلى حل مشكلاتهم، يقدم لوطنه خدمة تتجاوز حدود مهمته اليومية؛ لأنه يعزز الثقة بالمؤسسات، ويرسخ ثقافة الإحسان في العمل، ويجسد معنى المواطنة الفاعلة.
ولأن القطاع الصحي من أكثر القطاعات التصاقاً بحياة الإنسان واحتياجاته، فإن العناية بتجربة المراجع لا تقل أهمية عن العناية بالمرفق وتجهيزاته؛ فالتنظيم والنظافة والتوجيه الواضح وحسن الاستقبال والتعاون بين المراكز، كلها ممارسات تستحق التقدير والتشجيع، كما تستحق أن تكون نماذج ملهمة تتوسع دائرتها لتشمل مختلف المرافق الخدمية.
ومن هنا، فإن ما وجدته في مركزي الرعاية الصحية بـ نزوى والنويعمة بمحافظة وادي الدواسر يستحق كلمة شكر صادقة، وإشادة بكل من أسهم في تهيئة هذه البيئة الصحية، والمحافظة على نظافتها وتنظيمها، وتقديم الخدمة فيها بروح مهنية وإنسانية راقية؛ والشكر موصول إلى العاملين الذين جعلوا من حسن التعامل عنواناً لأدائهم، ومن التعاون وسيلة لتيسير احتياجات المراجعين.
شكراً لأبناء الوطن وبناته، وشكراً لكل يد وطنية تعمل بإخلاص، ولكل موظف يجعل من وظيفته رسالة، ومن خدمة الناس أمانة، ومن الابتسامة سلوكاً، ومن المبادرة دليلاً على صدق الانتماء؛ فالأوطان تكبر بعطاء أبنائها، والمؤسسات ترتقي بأخلاق العاملين فيها، والخدمات تترك أجمل أثرها عندما يجتمع فيها إتقان العمل مع طيب التعامل.
وما أجمل أن يغادر المراجع المركز الصحي وهو يحمل معه أكثر من خدمة حصل عليها؛ يحمل ذكرى طيبة عن مكان نظيف ومنظم، وعن موظفين أحسنوا استقباله، وعن أبناء وطن جعلوه يشعر بأن خدمته ليست عبئاً عليهم، بل واجب يعتزون بأدائه.
تلك هي الصورة التي نستحقها، وتلك هي النماذج التي يجدر بنا أن نحتفي بها؛ لأن الثناء على العمل المتقن ليس مجاملة، بل إنصاف للمجتهدين، وتحفيز للمبدعين، ورسالة تقدير لكل من يجعل خدمة الوطن والمواطن غايته الأولى.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



