منصور بن صالح بن سليمان العُمري
للأزمات فضلٌ في كشف ما تستره الأيام؛فهي لا تُغيّر معادن الرجال،ولكنها تزيل عنها الطلاء،ولا تصنع المواقف، ولكنها تُظهر ما كان مستترًا وراء الكلمات والشعارات.
وما أيسر ادعاء الوطنية حين تكون الأوطان في رخاء! وما أعسر امتحان الصدق حين تدلهمّ الخطوب،وتضطرب الموازين، ويصبح للكلمة ثمن، وللموقف شاهد!
وليس كل من ناقش قرارًا قد خان وطنًا، ولا كل من رفع شعار الوطنية قد صدق في ولائه؛ فبين النقد الذي يبتغي الإصلاح،والخطاب الذي يستقوي بالخصوم،مسافةٌ تكشفها المواقف أكثر مما تكشفها الأقوال.
ومن أعجب المفارقات أن يتسمّى بعضهم معارضًا، ويتزيّا بلباس المصلح،ثم يجعل من شقق العواصم الغربية منابر يتحدث منها باسم وطنٍ اختار البعد عنه! يزعم أنه يحمل هموم أهله، فإذا ألمّت ببلاده نازلة،لم تسمع منه كلمةً تجبر خاطرًا، ولا موقفًا يواسي مصابًا؛وإنما خطابٌ يتلقّف كل ما يسيء إلى وطنه،ويجد في شماتة خصومه ما لا يجده في سلامة أهله من سرور!
وليس موضع الريبة أن يقيم المرء خارج وطنه،أو يخالف بعض قراراته؛وإنما أن يدّعي الإصلاح، ثم يصبح خطابه صدىً لخصوم بلاده،لا يُعرف له من الإصلاح بناء،ولا من النصيحة إنصاف،ولا من المحبة موقفٌ يشهد لصدق دعواه.
وأعجب من ضجيجهم ضآلةُ ما يحمل من حجة؛يظنون أن ارتفاع الصوت يصنع له وزنًا، وأن تكرار الاتهام يمنحه صدقًا،وما دروا أن الكلمة التي تفتقر إلى الإنصاف قد تهدم من مصداقية صاحبها أكثر مما تنال من خصمه.
وقد ينقلب سعيهم إلى التشكيك على أصحابه،فكلما انكشف التناقض بين دعوى الإصلاح والشماتة في الشدائد،أصبح الخطاب شاهدًا على عواره؛كمن أراد أن يكشف عيبًا في غيره،فرفع المرآة،فإذا الناس لا يرون فيها إلا وجهه!
وما أشد خيبة من أراد أن يهزّ ثقة الناس بوطنهم،فإذا به لا يهزّ إلا ثقتهم بصدقه!
إن الأزمات لا تفضح الصادقين،وإنما تفضح التناقض بين ما ترفعه الألسنة وما تشهد به المواقف؛فكم من شعارٍ عاش طويلًا في مأمنٍ من الامتحان،فلما جاءت ساعة الحقيقة،لم يصمد أمام أول سؤال!
وحين تنقشع غيوم المحنة،قد ينسى الناس ضجيج الخطب، لكنهم لا ينسون أين وقف كل امرئ حين احتاج الوطن إلى صدق الكلمة ونبل الموقف.
فالتاريخ لا يحفظ للإنسان ما ادّعاه لنفسه،بقدر ما يحفظ عليه ما شهدت به أفعاله؛ وليس أشدّ فضيحةً من قناعٍ ظلّ صاحبه يحتمي به سنين، ثم أسقطته ساعةٌ واحدة من ساعات الحقيقة.
اللهم احفظ بلادنا بحفظك، وأدم عليها نعمة التوحيد والأمن والإيمان،ووفّق خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لما تحب وترضى،وأعنهما على ما فيه صلاح البلاد والعباد، وسدّد رأيهما،وبارك في مساعيهما،واحفظ شعبنا وجنودنا وكل من يعيش على أرضنا.
اللهم من ضلّ من أبنائها فردّه إلى الحق ردًّا جميلًا،ومن التبس عليه سبيل الرشد فنوّر بصيرته،ومن أراد بها وأهلها سوءًا فاكفنا شرّه بما شئت، وردّ كيده عنها،ولا تجعل له على أمنها ووحدتها سبيلًا.
اللهم اجعل هذا الوطن آمنًا مطمئنًّا، عزيزًا بدينه،محفوظًا بعنايتك، واجمع قلوب أهله على الحق، وأدم عليهم من نعمك ما عرفوا وما لم يعرفوا، إنك سميع الدعاء.
———————-
منصور بن صالح العُمري



