بقلم: خالد أحمد سحاري الحازمي
مشرف تربوي
طالب دراسات عليا في مجال تقنيات التعليم
لم يعد مستقبل التعليم مرهونًا بجدران الفصول الدراسية، ولا مقيدًا بمقاعد الطلاب أو الأوقات والأماكن التقليدية؛ بل أصبحت التقنية شريكًا أصيلًا في صناعة المعرفة، ورافدًا مهمًا لتطوير الممارسات التعليمية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يأتي توجه وزارة التعليم نحو تطبيق تجربة تحويل الدراسة إلى التعليم عن بُعد، ليؤكد أن المدرسة السعودية المتعلّمة، تمضي بخطى واثقة نحو مستقبل أكثر مرونة وابتكارًا، يتناغم مع طموحات رؤية السعودية 2030 في بناء منظومة تعليمية متطورة، قادرة على مواكبة المتغيرات، واستثمار الفرص الرقمية.
ولعل ما يميز خطوة التجربة هذه؛ أنها لا تنطلق من معالجة ظرف طارئ، كما ارتبط التعليم عن بُعد في أذهان الكثيرين خلال جائحة كورونا، وإنما تتجه نحو توظيفه بوصفه ممارسة تعليمية مخططة، تستهدف اختبار الجاهزية التقنية والتشغيلية، وتنمية الكفايات الرقمية، وتعزيز قدرة المدارس على تقديم تعليم مستمر وفاعل في بيئات تعليمية متنوعة.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في انتقال الطالب من مقعده المدرسي إلى شاشة جهازه، وإنما في انتقال المنظومة التعليمية من الاعتماد على نمط واحد للتعليم إلى امتلاك خيارات متعددة لتحقيق التعلم.
ويكشف (دليل إجراءات تطبيق التجربة، الصادر عن وزارة التعليم لعام 1448هـ)، عن توجه يقوم على منح إدارات التعليم والمدارس مساحات من الصلاحيات المنظمة، من خلال ثلاثة مستويات للتطبيق، وبما لا يتجاوز عشرة أيام دراسية خلال العام الدراسي.
ويتضمن المستوى الوطني يومين دراسيين موحدين في إدارات التعليم المستهدفة بالمنطقة الشرقية وتبوك ونجران ومكة المكرمة، فيما يتيح المستوى الثاني لمدير التعليم تحديد ثلاثة أيام، ويمنح المستوى الثالث مديري المدارس المستوفية لمعايير محددة في التقويم المدرسي صلاحية تحديد خمسة أيام، وفق الضوابط المعتمدة.
وهذا التنظيم يحمل دلالة تربوية وإدارية تتجاوز مجرد توزيع الأيام؛ إذ يعكس توجهًا نحو تعزيز اللامركزية المنضبطة، وتوسيع دور القيادة المدرسية في اتخاذ القرارات المرتبطة بالممارسة التعليمية، وربط بعض الصلاحيات بمستويات الأداء والجودة.
واللافت أن إتاحة هذه الصلاحية للمدارس المصنفة ضمن مستويي التقدم والتميز في الأداء العام، مع اشتراط ألا يقل أداؤها في نواتج التعلم عن مستوى الانطلاق، يبعث برسالة مهمة مفادها أن التميز المدرسي لا ينبغي أن يكون مجرد نتيجة تُسجل في تقارير التقويم، بل يمكن أن يتحول إلى فرص أوسع للتمكين والثقة والمسؤولية.
وعند قراءة هذه التجربة في ضوء رؤية السعودية 2030، نجد أنها تتقاطع مع عدد من مستهدفاتها الاستراتيجية، ولا سيما تطوير رأس المال البشري، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز المهارات الرقمية، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية. فبرنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج تحقيق الرؤية، يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية قادرة على إعداد مواطن منافس عالميًا، يمتلك المعارف والمهارات اللازمة لمتطلبات المستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن التعليم عن بُعد لم يعد مجرد وسيلة تقنية لإيصال الدروس، بل أصبح مجالًا لتنمية مهارات التعلم الذاتي، وإدارة الوقت، والمسؤولية الفردية، والتواصل الرقمي، وهي مهارات تتزايد أهميتها في عالم تتغير فيه طبيعة المهن وطرائق العمل والتعلم بوتيرة غير مسبوقة.
كما أن التجربة تفتح أمام المعلم آفاقًا جديدة لتطوير أدائه المهني، وتدفعه إلى تجاوز الاستخدام التقليدي للتقنية نحو تصميم أنشطة تعليمية تفاعلية، وتوظيف استراتيجيات تدريس مناسبة للبيئات الافتراضية، وتنويع أساليب التقويم والتغذية الراجعة. فنجاح التعليم الرقمي لا يُقاس بعدد الحصص المنفذة عبر المنصة، وإنما بمقدار ما يحدثه من أثر في تعلم الطالب ومشاركته وتقدمه المعرفي والمهاري.
وفي المقابل، فإن نجاح هذه الخطوة يظل مرتبطًا بجاهزية البيئة التعليمية؛ فتوفر الأجهزة والاتصال الجيد بالإنترنت، وكفاءة المنصات الرقمية، وتأهيل المعلمين والقيادات المدرسية، وتوعية أولياء الأمور، تمثل عناصر أساسية لتحويل التجربة من إجراء تنظيمي إلى ممارسة تعليمية ذات أثر ملموس.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه إدارات التعليم والمدارس في التعامل مع التجربة بوصفها فرصة للتطوير والتحسين، لا مجرد أيام دراسية تُنفذ خارج أسوار المدرسة. فالمطلوب ليس نقل الحصة التقليدية إلى شاشة إلكترونية فحسب، بل إعادة التفكير في كيفية تقديم تعلم أكثر تفاعلًا، وإتاحة فرص أوسع للمشاركة، واستثمار البيانات التعليمية في الكشف عن جوانب القوة وفرص التحسين.
ومن المهم أيضًا ألا تغيب العدالة التعليمية عن مشهد التطبيق؛ إذ ينبغي أن تتاح للطلاب فرص متكافئة للوصول إلى المنصات والمحتوى الرقمي، وأن تُراعى الفروق في الإمكانات التقنية والظروف الأسرية، حتى لا تتحول التقنية، التي يُراد لها أن تكون جسرًا للمعرفة، إلى عائق أمام بعض المتعلمين.
ولعل أحد أهم المكاسب المنتظرة من هذه التجربة يتمثل في بناء ثقافة مؤسسية قادرة على التكيف مع المتغيرات، وترسيخ مفهوم استمرارية التعليم، ورفع جاهزية المدارس للتعامل مع مختلف الظروف، دون الإخلال بجودة العملية التعليمية أو انتظامها.
غير أن الحكم على نجاح التجربة لا ينبغي أن يتوقف عند مؤشرات الدخول إلى منصة «مدرستي» أو نسب حضور الحصص الافتراضية؛ بل يتطلب النظر إلى مستوى تفاعل الطلاب، وجودة الأنشطة التعليمية، ومدى تحقق نواتج التعلم، ورضا المستفيدين، وقدرة المدارس على معالجة التحديات التي تكشفها التجربة. فهذه المؤشرات هي التي تمنح صانع القرار صورة أكثر عمقًا عن جدوى التوسع مستقبلًا في مثل هذه الممارسات.
إن رؤية السعودية 2030 لا تستهدف مجرد إدخال التقنية إلى المدارس، وإنما تسعى إلى بناء تعليم نوعي يواكب المستقبل ويسهم في صناعته. ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة تحويل الدراسة للتعليم عن بُعد بوصفها خطوة في مسار التحول من المدرسة التي تستخدم التقنية إلى المدرسة التي تمتلك ثقافة رقمية متكاملة.
وفي نهاية المطاف، ليست القضية أين يجلس الطالب ليتعلم، بل كيف يتعلم، وماذا يتعلم، وما المهارات التي يكتسبها، ومدى قدرته على توظيف معارفه في حياته ومستقبله.
فمدرسة المستقبل ليست بالضرورة مدرسة بلا جدران، وإنما مدرسة لا تقف الجدران عائقًا أمام التعلم.
وتلك هي الروح التي تنسجم مع طموح وطن جعل الاستثمار في الإنسان أساسًا لتنميته، والتعليم بوابته نحو المستقبل.



