ما سر الزيت الذي يُباع بأضعاف سعر زيت الزيتون؟ ……… القصة الكاملة لـهذا (الذهب السائل)

خلال تصفحه أحد المتاجر العالمية المتخصصة في المنتجات الفاخرة، توقف المهندس عبدالله أمام عبوة صغيرة من زيت الأرجان تحمل سعرًا يفوق أسعار العديد من الزيوت النباتية بأضعاف. لم يكن حجم العبوة هو ما أثار دهشته، بل السؤال الذي فرض نفسه: ما السر وراء هذه القيمة الاستثنائية؟
للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نبدأ من جنوب غرب المغرب، حيث تنمو شجرة نادرة استطاعت أن تحول زيتها إلى أحد أكثر المنتجات الطبيعية طلبًا في الأسواق العالمية.

*شجرة نادرة صنعت منتجًا استثنائيًا*
على عكس معظم المحاصيل الزيتية المنتشرة حول العالم، تنمو شجرة الأرجان بشكل طبيعي في مناطق محدودة من المغرب، لا سيما في سوس والأطلس الصغير. هذه الندرة دفعت منظمة اليونسكو إلى إدراج غابات الأرجان ضمن محميات المحيط الحيوي، باعتبارها جزءًا من التراث البيئي العالمي.
ومع محدودية انتشار الشجرة وصعوبة التوسع في زراعتها، أصبح زيت الأرجان من المنتجات المرتبطة بمصدر جغرافي محدد، ما أسهم في رفع قيمته التجارية.

*الحقيقة التي لا يعرفها كثيرون*
رغم ارتباط اسم الأرجان بعالم التجميل، فإنه ليس زيتًا عطريًا كما يعتقد البعض، بل زيت نباتي ثابت يُستخلص من نوى الثمار بالعصر الميكانيكي.
وقد انتقل هذا الزيت من الاستخدامات التقليدية المحلية إلى أشهر علامات التجميل والعناية الشخصية في العالم، بفضل خصائصه الفريدة وتركيبته المميزة.

*ما الذي يميز هذه القطرة الذهبية؟*
يكمن سر الأرجان في تركيبته الكيميائية الغنية. فهو يحتوي على نسب مرتفعة من الأحماض الدهنية غير المشبعة، وخاصة حمضي الأوليك واللينوليك، إضافة إلى مستويات عالية من فيتامين E، وبالأخص مركب “جاما توكوفيرول” المعروف بقدرته على مقاومة الأكسدة.
كما يضم مجموعة من المركبات الحيوية المهمة مثل السكوالين، والمركبات الفينولية، والإنزيم المساعد Q10، وهي مكونات عززت مكانته في صناعات التجميل والعناية بالبشرة والشعر.

*زيت يصعب تقليده*
كلما ارتفعت قيمة المنتج زادت محاولات الغش والتقليد. إلا أن زيت الأرجان يتمتع ببصمة كيميائية فريدة تُمكّن المختبرات من التحقق من أصالته وكشف أي عمليات خلط بزيوت أقل قيمة.
ولهذا السبب يخضع لفحوص وتحاليل دقيقة قبل تداوله في الأسواق العالمية المتخصصة، ما يضيف عنصرًا آخر إلى قيمته التجارية.

*ثلاثة أسواق في منتج واحد*
لا يقتصر استخدام الأرجان على مجال واحد، بل يُطرح بثلاثة أشكال رئيسية:
• الأرجان الغذائي: يتميز بنكهة تشبه البندق المحمص ويُستخدم في المطبخ المغربي.
• الأرجان التجميلي: وهو الأشهر عالميًا ويستخدم في منتجات البشرة والشعر.
• الأرجان منزوع الرائحة: ويُستخدم في التركيبات التجميلية المتخصصة.
هذا التنوع وسّع نطاق الطلب العالمي عليه بصورة لافتة.

*لماذا ترتفع أسعاره؟*
تكمن الإجابة في معادلة بسيطة: إنتاج محدود، وشجرة نادرة، وعملية استخلاص دقيقة، مع طلب عالمي متزايد من قطاعات الغذاء والتجميل.
ورغم شهرته الواسعة، لا يزال إنتاجه السنوي محدودًا مقارنة بالزيوت النباتية التقليدية، ما يجعله من المنتجات النادرة عالية القيمة في الأسواق الدولية.

*الخلاصة*
لم يكن ارتفاع سعر زيت الأرجان مجرد نتيجة لحملة تسويقية ناجحة، بل ثمرة لعوامل حقيقية تجمع بين الندرة الطبيعية والتركيبة الفريدة والقيمة الاقتصادية العالية. فخلف كل قطرة من هذا الزيت قصة شجرة لا تنمو إلا في موطنها الأصلي، وصناعة دقيقة، وطلب عالمي متزايد.
ولهذا استحق عن جدارة لقب “الذهب المغربي السائل”، ليبقى واحدًا من أكثر الزيوت النباتية تميزًا وقيمة في العالم.

*م/ ياسين حمدي*
خبير وقاضي دولي في زيت الزيتون
عضو الجمعية العلمية للصناعات الغذائية – جامعة الاسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top