بين طبيبٍ يُنهي قائمة المرضى وطبيبٍ يبحث عن سبب المرض.. كم إنسانًا ضاع بين المواعيد؟

بقلم ــ علي حسن المفتاح

تخيّل أن مريضًا دخل المستشفى وهو يبحث عن إجابة لسؤال واحد: ما الذي أصابني؟

جلس أمام الطبيب، شرح ألمه، سرد معاناته، وأخرج ملفًا امتلأ بالتحاليل والأشعة والتقارير. نظر الطبيب إلى الملف، وصف له علاجًا، وربما طلب منه مراجعة قسم آخر.

ذهب المريض إلى القسم الآخر، فطلبوا منه موعدًا جديدًا. انتظر أسابيع، وربما أشهرًا، ثم عاد إلى طبيب آخر، أعاد عليه الأسئلة ذاتها، وطلب تحاليل جديدة، وانتهت الزيارة بموعد آخر أو وصفة دوائية أخرى.

وهكذا تبدأ الحكاية التي لا يعرف كثيرون كيف تنتهي.

في المقابل، هناك طبيب آخر ينظر إلى المريض بطريقة مختلفة تمامًا؛ لا يشغله كم مريضًا أنهى في يومه، ولا كم ملفًا أغلق، بل يشغله سؤال واحد: ما سبب هذا المرض؟ ما الذي يحدث داخل هذا الجسد؟ لماذا ظهرت هذه الأعراض؟ وما الداء الذي لم نكتشفه بعد؟

نحن أمام مدرستين في الطب؛ مدرسة تسعى إلى إنهاء قائمة المرضى، ومدرسة تسعى إلى اكتشاف أسباب أمراضهم.

والفرق بينهما قد لا يكون في الشهادة أو سنوات الخبرة، بل في العقلية التي يتعامل بها الطبيب مع الإنسان الذي يجلس أمامه.

ليس كل ألم يُسكَّن يعني أن المرض انتهى، وليس كل تحليل سليم يعني أن الإنسان سليم، وليس كل عرض اختفى يعني أن السبب قد عولج.

كل شيء له سبب.. حتى الشجرة تموت لأسباب!

تأمل شجرة كانت خضراء، تظلل المكان، وتمنح ثمارها لمن حولها، ثم بدأت أوراقها تتساقط، واصفرّت أغصانها، حتى ماتت.

هل نقول إن الشجرة ماتت موتًا طبيعيًا وننتهي؟

أم نسأل: هل أصاب جذورها مرض؟ هل تلوثت تربتها؟ هل انقطع عنها الماء؟ هل هاجمتها حشرة؟ هل أصابها فطر؟ هل اختل شيء في بيئتها؟

نبحث عن السبب؛ لأننا نعرف أن لكل نتيجة مقدمات، ولكل تغير تفسيرًا، حتى وإن عجزنا عن اكتشافه.

فكيف بجسد الإنسان، هذا الخلق العظيم، الذي تتداخل فيه الأعضاء والخلايا والهرمونات والأعصاب والمناعة والآلاف من العمليات الحيوية الدقيقة؟

كيف نقبل أن تتوقف رحلة البحث عند أول تفسير، أو أن تتحول معاناة إنسان إلى سلسلة من المسكنات والمواعيد والتحويلات؟

أنا أؤمن أن في جسد الإنسان أسرارًا، وأن هناك أمراضًا وأسبابًا مرضية لم يصل العلم بعد إلى تفسيرها الكامل، وأن ما نعرفه اليوم، مهما بلغ من التقدم، ليس نهاية المعرفة الطبية.

وهذا ليس انتقاصًا من الطب، بل إيمان بضرورة أن يظل الطب باحثًا، وألا يتوقف عند حدود ما اكتشفه حتى الآن.

وماذا عن عبارة: مات موتًا طبيعيًا؟

نسمع هذه العبارة كثيرًا، وربما اعتدنا عليها حتى فقدت وقعها في نفوسنا.

لكن هل الموت الطبيعي يعني بالضرورة أن الإنسان لم يكن يعاني مرضًا؟ وهل يعني أن سبب الوفاة كان معروفًا؟ وهل يمكن أن يكون هناك مرض لم يُكتشف، أو تشخيص لم يصل إليه أحد؟

هناك فرق كبير بين أن نقول إن الموت وقع بأجل كتبه الله، وبين أن نزعم أننا عرفنا السبب الطبي الذي أدى إليه.

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145].

ويقول سبحانه:

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].

نؤمن بأن الأجل بيد الله، وأن الإنسان لا يملك تقديمه أو تأخيره، لكن الإيمان بالقدر لا يعني التوقف عن البحث، ولا إعفاء الإنسان من مسؤوليته، ولا إغلاق أبواب العلم.

فالله الذي قدّر الأجل، أمرنا بالأخذ بالأسباب، وحثّنا على طلب العلم، وجعل في هذا الكون سننًا وأسبابًا.

والنبي ﷺ لم يعلمنا الاستسلام للمرض، بل علمنا أن نبحث عن العلاج.

حين سُئل رسول الله ﷺ عن التداوي، جاء عنه قوله:

«تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً».

رواه أبو داود والترمذي.

تأملوا هذا المعنى العظيم!

لم يكن التوجيه النبوي أن نكتفي بتخفيف الألم، أو أن نتعايش مع المرض دون محاولة فهمه، بل أن نتداوى ونبحث عن الشفاء.

وفي قصة المرأة التي كانت تُصرع، جاءت إلى النبي ﷺ تطلب منه الدعاء، فخيّرها بين الصبر ولها الجنة، وبين أن يدعو الله لها بالعافية، فاختارت الصبر وطلبت منه أن يدعو لها ألا تتكشف.

قصة عظيمة في صحيح البخاري ومسلم، تعلمنا أن المرض ابتلاء، وأن الصبر فضيلة، وأن طلب العافية والعلاج لا يتعارض مع الإيمان.

فأين نحن من هذا المعنى حين يصبح المريض حبيس المواعيد، ينتقل من عيادة إلى أخرى، بينما لا يجد من يتبنى حالته ويبحث عن أصل معاناته؟

المشكلة ليست في كثرة الأقسام.. بل في ضياع المريض بينها.

ليس من المعقول أن يدخل المريض المستشفى بألم، ثم يخرج بمسكن، ويعود بألم أشد، فيُحال إلى عيادة أخرى، ثم ينتظر ثلاثة أشهر، ثم يُطلب منه مراجعة تخصص مختلف، ثم تبدأ رحلة جديدة من الانتظار.

لا أقول إن كل حالة يمكن تشخيصها من الزيارة الأولى، ولا إن الطب قادر على اكتشاف كل الأمراض، ولا إن كل تأخير سببه إهمال طبيب.

هناك أمراض معقدة، وحالات نادرة، وتشخيصات تحتاج إلى وقت، وأطباء يعملون بإخلاص في ظروف وضغوط كبيرة، ويستحقون التقدير.

لكن السؤال الذي يجب ألا نتوقف عن طرحه:

من المسؤول عن متابعة المريض الذي ينتقل بين الأقسام دون أن يصل إلى تشخيص واضح؟

من يتأكد أن التحويل لم يكن مجرد نقل للملف من قائمة إلى قائمة؟

من يتابع الحالات التي لم تستجب للعلاج؟

ومن يراجع رحلة المريض عندما تتكرر الزيارات وتُعاد الفحوصات، بينما تستمر معاناته؟

نحتاج إلى طبيب لا يكتفي بكتابة الوصفة، وإلى منظومة لا تكتفي بإغلاق الملف، وإلى متابعة طبية متكاملة تضمن ألا يضيع المريض بين التخصصات.

لا تجعلوا المريض مشروع موعد قادم!

المريض لا يأتي إلى المستشفى بحثًا عن موعد بعد ثلاثة أشهر، ولا يحمل آلامه ليُحال من طبيب إلى آخر، ولا يريد أن يقضي ما تبقى من عمره في طوابير الانتظار.

إنه يريد أن يعرف ماذا يحدث له، وأن يجد من يسمعه، ومن يربط نتائج فحوصاته ببعضها، ومن يراجع تاريخه المرضي، ومن يبحث عن الاحتمالات التي لم تُدرس بعد.

وقد يكون الطبيب الذي ينجح في اكتشاف سبب مرض واحد، وإنقاذ حياة مريض واحد، قد قدم للإنسانية ما هو أعظم من مئات الملفات التي أُغلقت دون الوصول إلى إجابة.

نحن لا نطلب من الطبيب أن يكون معصومًا من الخطأ، ولا أن يمتلك إجابة لكل سؤال، لكننا نطلب ألا يتحول عدم معرفة التشخيص إلى نهاية رحلة المريض.

إذا لم تعرف السبب، فابحث عنه. وإذا لم تجد الإجابة، فاستعن بغيرك. وإذا استعصى التشخيص، فلا تجعل المريض وحده يدفع ثمن هذا الاستعصاء.

فالطب ليس سباقًا في إنهاء المواعيد، ولا نجاحًا في تقليل عدد الملفات المفتوحة، بل رسالة إنسانية وعلمية غايتها حفظ النفس وتخفيف الألم والبحث عن الشفاء.

وفي النهاية، هناك سؤال أتمنى أن يصل إلى كل مسؤول عن الصحة:

كم مريضًا خرج من مستشفانا وقد شُفي؟ وكم مريضًا خرج فقط لأنه انتهى موعده؟

فبين الاثنين فرق لا تصنعه الأوراق، بل تصنعه الضمائر.

لا نريد طبيبًا ينهي قائمة المرضى.. نريد طبيبًا لا ينهي رحلة البحث عن مرضاهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top