*بنك الأوقاف السعودي.. كيف يصبح المال العائد إلى صاحبه خيراً لا ينقطع*

منصور بن صالح العُمري

كم من أموال تستقر في الحسابات المصرفية تنتظر حاجة أصحابها إليها،وكم من أوقاف تنتظر مالاً يوقظ طاقاتها المعطلة،وينهض بمشروعاتها المتعثرة،ويمد جسور نفعها إلى أجيال لم تولد بعد!
وبين أموال تنتظر أن تُستعمل، وأوقاف تنتظر أن تُنمّى،تلوح فكرة أرى أنها جديرة بالدراسة والتأمل:إنشاء بنك سعودي متخصص للأوقاف،يجمع بين التنمية الاقتصادية والمشاركة المجتمعية في الأجر،ويجعل من الأموال المودعة طاقة متجددة لخدمة الوقف،دون أن يفقد أصحابها حقهم في استردادها.
ولست أعني بنكاً يقتصر عمله على إدارة الأوقاف القائمة واستثمار أصولها وتمويل مشروعاتها،على أهمية ذلك، وإنما مؤسسة مصرفية وقفية تفتح أبوابها لكل راغب في الإحسان،غنياً كان أو محدود الدخل، فيودع فيها ما تيسر من مالهح، لا طلباً لربح يعود إلى حسابه،وإنما ابتغاء أجر يرجو أن يجده في ميزان حسناته.
وتقوم الفكرة على ما يمكن تسميته «الوديعة الوقفية الحسنة»؛وهي أن يودع العميل مبلغاً من المال، يبقى له حق استرداده وفق الضوابط المنظمة،بينما يوظف البنك تلك الأموال في استثمارات ومشروعات مدروسة،وتخصص عوائدها الصافية لتنمية الأوقاف ودعم مصارفها الخيرية،تحت إشراف الجهات المختصة، وبما يتفق مع الأحكام الشرعية والأنظمة المصرفية.
وتصوروا معي موظفاً يودع عشرة آلاف ريال،أو متقاعداً يودع بعض مدخراته،أو شاباً يبدأ بألف ريال؛أموال لم يتنازل أصحابها عن حقهم في استردادها،لكنهم آثروا أن يجعلوا منفعتها في خدمة الخير ما دامت مودعة في البنك.
فكم من مدرسة يمكن أن تُبنى،ومريض يمكن أن يُعالج، ويتيم يمكن أن يُرعى، وأسرة محتاجة يمكن أن تُكفى،إذا اجتمعت هذه الأموال وتضافرت عوائدها!
ولكي تحقق الفكرة غايتها، فإنني أميل إلى أن تكون مدة الوديعة مفتوحة،فلا يُحرم صاحب المال من المشاركة خشية أن يحتاج إليه،مع تشجيع الودائع طويلة الأجل، ووضع نظام محكم لإدارة السيولة،يكفل الوفاء بحقوق المودعين وفق شروط معلنة، ويحمي المشروعات الوقفية من الاضطراب عند طلبات السحب.
فليس المقصود أن تُغامر المؤسسة بأموال الناس باسم الخير، وإنما أن تجمع بين أمانة المال وحسن استثماره، وبين حق المودع واستدامة المنفعة، في إطار شرعي ونظامي واضح.
ولا شك أن المملكة قد قطعت أشواطاً مباركة في تنظيم قطاع الأوقاف وتطوير أدواته الاستثمارية،وأن الهيئة العامة للأوقاف تضطلع بدور مهم في هذا الميدان؛ومن هنا فإن المقترح ليس بديلاً عن الجهود القائمة،وإنما امتداد لها، وإضافة مصرفية متخصصة يمكن أن توسع قاعدة المشاركة وتضاعف فرص التنمية الوقفية.
إن أعظم ما أرجوه من هذه الفكرة أن يصبح الإحسان متاحاً حتى لمن لا يستطيع الاستغناء عن أصل ماله؛ فيشارك في الخير بقدر استطاعته،ويظل باب الرجاء مفتوحاً أمامه،دون أن نساوي بين هذه المشاركة والوقف المؤبد في أحكامه الشرعية.
ولعلنا نتصور يوماً تصبح فيه ملايين الحسابات الصغيرة روافد لنهر عظيم من العطاء، لا ينضب أثره بانتهاء تبرع عابر، ولا يتوقف نفعه عند جيل واحد.
إننا لا نقترح بنكاً جديداً فحسب،بل نقترح أن نفتح للمال باباً إلى البر،وللأوقاف باباً إلى النمو،وللمجتمع باباً إلى الإحسان؛حتى يصبح الريال الذي ينتظر صاحبه عودته سبباً في خير يبقى أثره بعد عودته.
وما أحوج هذه الفكرة إلى دراسة تجمع فقه الوقف، وخبرة المصارف،وحكمة الاستثمار،حتى تنتقل من أمنية مكتوبة إلى مشروع وطني نافع، يليق بمكانة المملكة وريادتها في خدمة العمل الخيري والوقفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top