تعليم جازان يتصدر المملكة في التميز المدرسي للعام الثاني على التوالي

بقلم: خالد أحمد الحازمي
مشرف تربوي
طالب دراسات عليا في مجال تقنيات التعليم

حين تتحول الرؤى التربوية إلى ممارسات مؤسسية، وتصبح الجودة ثقافة عمل راسخة لا مجرد شعارات، فإن النتائج تتحدث عن نفسها، والإنجازات تصبح شواهد حقيقية على نجاح التخطيط وحسن التنفيذ. وهذا ما تجسده الإدارة العامة للتعليم بمنطقة جازان، التي حققت المركز الأول على مستوى المملكة في عدد المدارس الحكومية المحققة للتميز المدرسي، للعام الثاني على التوالي، بعد أن بلغ عدد مدارسها المتميزة 85 مدرسة، مستحوذة على نسبة 24.7% من إجمالي المدارس الحكومية المحققة للتميز على مستوى المملكة.
إن هذا الإنجاز الوطني لا يمثل مجرد تفوق رقمي في مؤشرات التقويم المدرسي، بل يعكس حضورًا نوعيًا لتعليم جازان في منظومة الجودة التعليمية، ويؤكد أن الاستثمار في تطوير الأداء المدرسي، وتعزيز ثقافة التقويم والتحسين المستمر، يمكن أن يثمر نتائج تستحق الإشادة والاحتفاء.
وقد تُوّج هذا التميز بدعوة مديري ومديرات المدارس المتميزة من هيئة تقويم التعليم والتدريب لحضور الملتقى الوطني للتميز المدرسي 2026م، الذي تنظمه الهيئة بالتعاون مع وزارة التعليم، اليوم الاثنين الثاني من نوفمبر 2026م، في فندق هيلتون الرياض؛ لتكريم المدارس المتميزة والاحتفاء بإنجازاتها.
ولعل ما يمنح هذا الإنجاز دلالة أعمق هو استمراره للعام الثاني على التوالي؛ فالتميز الذي يتحقق مرة قد يكون ثمرة جهود استثنائية، أما التميز الذي يتكرر فيستحق قراءة أعمق في العوامل التي تقف وراءه، وفي مقدمتها وضوح الرؤية، واستمرارية المتابعة، وتكامل الأدوار، وتحويل نتائج التقويم إلى فرص للتحسين والتطوير.
ولا يمكن قراءة هذا المنجز بمعزل عن الرؤية التي تقود بها الإدارة العامة للتعليم بمنطقة جازان مسيرتها التطويرية، بقيادة مديرها العام الأستاذ ملهي بن حسن عقدي، وفريق عمله، وما يبذلونه من جهود في دعم المدارس، وتمكين قياداتها، وتوجيه الممارسات الإشرافية والتعليمية نحو تحقيق معايير الجودة والتميز، وصولًا إلى تحسين الأداء المدرسي والارتقاء بنواتج التعلم.
كما يأتي هذا الإنجاز في ظل ما يحظى به التعليم في منطقة جازان من اهتمام ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز، أمير منطقة جازان، وسمو نائبه الأمير ناصر بن محمد بن جلوي، في إطار العناية بالتعليم بوصفه أحد أهم مرتكزات التنمية وبناء الإنسان، والمحرك الأساسي لمستقبل المنطقة والوطن.
ومن الإنصاف عند الحديث عن هذا التميز ألا نختزله في القيادات الإدارية وحدها، فالمدرسة منظومة متكاملة تتضافر فيها جهود القيادات المدرسية، والمعلمين والمعلمات، والهيئات الإدارية، والمشرفين والمشرفات التربويين، وفرق دعم التميز المدرسي، إلى جانب الطلبة وأولياء أمورهم. ولكل طرف من هذه الأطراف إسهامه في بناء بيئة تعليمية قادرة على تحقيق معايير التميز والمحافظة عليها.
غير أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافق هذا الاحتفاء ليس: كم مدرسة حققت التميز؟ بل: كيف استطاعت هذه المدارس بلوغ هذا المستوى؟ وكيف يمكن نقل تجاربها الناجحة إلى بقية المدارس؟
فهنا تكمن القيمة الحقيقية للتقويم المدرسي؛ إذ لا ينبغي أن تنتهي رحلة المدرسة عند حصولها على مستوى التميز، وإنما تبدأ مرحلة جديدة من المسؤولية المهنية، تتطلب توثيق الممارسات الناجحة، وتحليل عوامل التفوق، وتحديد فرص التحسين، وتبادل الخبرات بين المدارس، بما يجعل من المدارس المتميزة بيوت خبرة تربوية تسهم في تطوير الأداء المدرسي على نطاق أوسع.
ومن المهم كذلك ألا يتحول التميز المدرسي إلى غاية مستقلة عن جوهر العملية التعليمية؛ فالمعيار الحقيقي لنجاح المدرسة لا يقتصر على مستوى أدائها في التقويم الخارجي، وإنما يمتد إلى ما تحدثه ممارساتها من أثر ملموس ومستدام في تعلم الطلبة، وتنمية مهاراتهم، وتحسين تحصيلهم الدراسي. فالتقويم وسيلة للتحسين، والتميز ثمرة لجودة الممارسة، أما الغاية النهائية فهي تعلم أفضل لكل طالب وطالبة.
إن تحقيق تعليم جازان المركز الأول للعام الثاني على التوالي يضع أمام المدارس المتميزة مسؤولية المحافظة على هذا المستوى، كما يضع أمام المنظومة التعليمية فرصة لاستثمار هذا الرصيد من الخبرات في بناء نماذج تطويرية قابلة للتطبيق، بما يسهم في اتساع دائرة المدارس المتميزة، ويجعل من الجودة ممارسة يومية لا ترتبط بمواعيد زيارات التقويم أو إعلان نتائجه.
ختامًا، فإن هذا الإنجاز الذي تسجله مدارس تعليم جازان يمثل مصدر فخر واعتزاز لكل من أسهم في صناعته، وشاهدًا على قدرة المؤسسات التعليمية على تحقيق نتائج وطنية متقدمة حين تتكامل الرؤية والقيادة والعمل المؤسسي.
فهنيئًا لتعليم جازان صدارته، وهنيئًا لمدارسه المتميزة هذا التكريم الوطني، والشكر والتقدير لكل من أسهم في صناعة هذا المنجز، من القيادات التعليمية والإشرافية والمدرسية والمعلمين والمعلمات، وكل من كان له دور في هذه المسيرة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذا الاحتفاء هو التأكيد على أن الصدارة إنجاز يستحق الفخر، والمحافظة عليها مسؤولية، أما تعميم أثرها على بقية المدارس فهو التحدي التربوي الأكبر.
فليس التميز أن تتقدم بعض مدارسنا فحسب، بل أن تصبح تجاربها الناجحة طريقًا تتقدم من خلاله بقية المدارس، حتى يتحول التميز من إنجاز لمدارس محددة إلى ثقافة تعليمية شاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top