تقول حكمة شعبية متوارثة، تحمل من بساطة البادية وعمق تجارب أهلها الكثير: “حمار الغنم إن حضر ما هو بمعدود، وإن غاب ما هو بفقيده”؛ فقد تبدو العبارة قاسية في ظاهرها، لكنها تختصر معنى إنسانياً عميقاً، وتصف فئة من الناس لا يختلف وجودها عن غيابها، فلا حضورهم يضيف شيئاً، ولا غيابهم يترك فراغاً يُذكر.
وعلى امتداد خمسة وستين عاماً تجاوزتها من عمري، مررت بمحطات كثيرة، وعرفت وجوهاً متعددة، وجمعتني الحياة بأشخاص تركوا في نفسي أثراً لا تمحوه الأيام، وآخرين عبروا كما يعبر العابرون، لا تكاد تذكر لهم موقفاً، ولا تجد في ذاكرتك ما يستحق الوقوف عنده؛ وبين هؤلاء وأولئك تعلمت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد السنوات التي عرفته فيها، ولا بكثرة اللقاءات التي جمعتك به، وإنما بما يتركه من أثر، وما يقدمه من مواقف، وما يحمله لك من صدق ووفاء.
اكتشفت أن هناك من يحضر المجالس ولا تشعر بحضوره، ويشاركك المناسبات دون أن يشاركك الهموم، ويكثر من عبارات الود والمجاملة، لكنك لا تجده في موقف يحتاج إلى كلمة صادقة أو وقفة وفاء؛ وهناك من يغيب عن عينيك أشهراً وربما سنوات، لكنه يظل حاضراً في وجدانك، تستحضر مواقفه، وتذكر جميله، وتشعر أن بينك وبينه رصيداً من المحبة لا تنقصه المسافات.
وفي المقابل، هناك أشخاص لا يعرفونك إلا وقت الحاجة، يقتربون عندما تكون لديهم مصلحة، ويبتعدون عندما تنتهي حاجتهم، وآخرون يتقنون فن الحضور الشكلي، لكنهم لا يجيدون معنى الصداقة ولا واجب الأخوة؛ هؤلاء لا تحتاج إلى خصومتهم أو عتابهم، فالأيام كفيلة بأن تكشف لك حقيقة العلاقات، وأن تضع كل إنسان في مكانه الذي يستحقه.
ومع تقدم العمر، تتغير نظرتك إلى كثير من الأمور؛ فلم تعد تبحث عن كثرة المعارف بقدر بحثك عن صدقهم، ولا عن اتساع دائرة العلاقات بقدر حرصك على وجود أشخاص تعرف أنهم لا يتغيرون بتغير الظروف؛ تصبح أكثر تقديراً لمن يسأل عنك دون مصلحة، ومن يذكرك في غيابك بالخير، ومن يفرح لفرحك دون تصنع، ويحزن لحزنك دون انتظار مقابل.
لقد علمتني سنوات العمر أن الأثر الطيب هو العمر الحقيقي للإنسان، وأن المواقف الصادقة لا تحتاج إلى إعلان، وأن بعض الناس يكفيك منهم اتصال عابر ليمنحك شعوراً بأن الدنيا لا تزال بخير، بينما قد تجلس مع آخرين ساعات طويلة دون أن تجد في صحبتهم ما يستحق أن تتذكره.
وليس المقصود من هذه الحكمة أن نقلل من شأن أحد أو نصدر أحكاماً على الناس، وإنما أن ندرك أن العلاقات الإنسانية ليست بكثرة الأسماء في هواتفنا، ولا بعدد من يمرون بحياتنا، بل بمن يمنحون وجودنا معنى، ويتركون في أيامنا أثراً جميلاً.
خمسة وستون عاماً علمتني أن بعض الناس يُحسبون بالمواقف لا بالأعوام، وأن الغائب الذي ترك أثراً جميلاً خير من حاضر لا تشعر بوجوده؛ فليست العبرة بمن حضر، بل بمن كان لحضوره قيمة، ولغيابه فراغ، ولذكراه مكانة في القلب.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



