الحلقة السابعة والعشرون: رمضان في ذاكرة الزمن الجميل!

 

بقلم: عيسى المزمومي

حين يعود بنا الزمن إلى ليالي رمضان القديمة، نشعر وكأننا نطلّ من نافذة الذكريات على عالم أكثر دفئًا، أكثر ألفة، وأكثر امتلاءً بالمعاني العميقة. لم يكن رمضان مجرد شهر للصيام والعبادة، بل كان لوحة فنية مرسومة بألوان البهجة، والمودة، وروح الجماعة. كنا ننتظره بشوق الأطفال الذين لا يعرفون من الحياة سوى لحظاتها الجميلة، ونعيشه بكل تفاصيله كما لو كان احتفالًا يمتد من أول الهلال حتى وداعه!
في تلك الأيام، كان رمضان يعني السهر حول الفوانيس المضاءة، يعني صوت الأمهات في المطابخ يعدن أطباقًا لا نحبها فقط لطعمها، بل لأنها تحمل دفء أيديهن. كان يعني اجتماع العائلة حول مائدة الإفطار، حيث الحديث لا ينقطع، والضحكات تملأ المكان قبل أن يُرفع أذان المغرب. لم تكن الشاشات تسرق منا أوقاتنا، ولم يكن كل شخص منشغلًا بعالمه الافتراضي.
لكن الزمن تغيّر، وتسارعت الحياة حتى أصبحت الأيام تمضي كأنها لقطات سريعة في فيلم طويل. تراجعت العادات الجميلة أمام موجة الحداثة، وأصبحنا نعيش رمضان في قوالب جاهزة، نفتقد فيها تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنحه روحه الحقيقية.وسط هذا الحنين إلى الماضي، يقف بعض المبدعين ليعيدوا إلينا الإحساس بقيمة الجمال والبساطة. الفنان عبدالعظيم الضامن هو واحد من هؤلاء، الذين لم يكتفوا بأن يكونوا متأملين في الزمن، بل قرروا أن يكونوا صانعيه. منذ أن بدأ رحلته الفنية في عام 1978، لم يكن الفن بالنسبة له مجرد لون على قماش، بل رسالة حب وسلام تمتد من قلبه إلى العالم.
كان الضامن يؤمن بأن الفن يشبه رمضان في جوهره؛ كلاهما وسيلة للتواصل الإنساني، كلاهما يمنحنا فرصة لنكون أكثر قربًا من ذواتنا ومن الآخرين. ولهذا، أطلق مشروع “لوحة المحبة والسلام”، وهي أطول لوحة جماعية في العالم، شارك فيها أكثر من 1300 شخص من مختلف الدول، في محاولة لترسيخ قيم الحب والتسامح من خلال الألوان.
كما أن الضامن لم يكن مجرد فنان يرسم، بل كان كاتبًا وناقدًا ثقافيًا، ومؤسسًا للعديد من المبادرات المجتمعية التي سعت إلى إعادة الجمال إلى الحياة. من “شتاء تاروت” إلى “ألوان الأمل”، كان يسعى دائمًا ليجعل الفن رسالة تمتد إلى قلوب الناس، تمامًا كما كان رمضان في الماضي يوحد الجميع تحت مظلته الروحية.
ربما يكون الدرس الأهم الذي نتعلمه من رمضان الماضي ومن تجربة الضامن الفنية هو أن الجمال لا يضيع، لكنه يحتاج إلى من يعيد اكتشافه. لا تزال لدينا فرصة لإحياء ذلك الدفء الذي افتقدناه، فقط لو قررنا أن نعيش رمضان ببطء، أن نعود إلى جلسات العائلة، أن نطفئ الهواتف لبعض الوقت، أن نستعيد تلك العادات البسيطة التي كانت تمنح الشهر الكريم سحره الخاص.تمامًا كما أن الفن لا يقتصر على اللوحات، فإن رمضان لا يقتصر على الصيام والعبادات، بل هو تجربة إنسانية متكاملة، حيث نعيد رسم حياتنا بألوان أكثر دفئًا. في النهاية، كل واحد منا قادر على أن يجعل رمضان هذا العام أكثر روحانية، وأكثر قربًا من الزمن الجميل، فقط لو فتح قلبه للحظة وتأمل: كيف كان؟ وكيف يمكن أن يكون؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top