ختم القرآن الكريم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله ورعاه

عيسى المزمومي ـ الارتقاء ـ الشرقية

في صمت الليل، حيث تهدأ الضوضاء، ويتفرغ القلب للتأمل، يظل القرآن الكريم ذلك النور الذي يبدد الظلمات، والسراج الذي لا ينطفئ نوره. إنه كتاب الله الذي لم تقتصر رسالته على زمان أو مكان، بل امتدت لتكون منارًا تهتدي به البشرية نحو الحق والخير والجمال.
وفي أرضٍ حملت على عاتقها مسؤولية خدمة هذا الكتاب العزيز، تتجلى العناية بالقرآن في أبهى صورها، خاصةً في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – الذي جسّد رؤية متكاملة لجعل القرآن الكريم ليس مجرد نص يُتلى، بل تجربة تُعاش، وروحًا تُستضاء بها العقول والقلوب.إن حفظ القرآن الكريم ليس مجرد ترديد لألفاظه، بل هو سفر روحي عبر مدارات المعاني، وتأمل عميق في أسرار الكون والإنسان والمصير. وقد أدركت القيادة الرشيدة في المملكة أن الحفظ وحده لا يكفي، فكان لا بد من التأسيس لمنظومة متكاملة تدفع الأفراد إلى التفاعل مع النص القرآني بعمق وتأمل. ومن هنا، نشأت مراكز التحفيظ التي لم تقتصر على تلاوة الآيات، بل امتدت لتشمل فهمها وتطبيقها في حياة الناس.
فكل طفل يحمل في صدره سورة، وكل شيخٍ يجلس بين طلابه متدبرًا لمعانيها، إنما يشكّل خيطًا من النور في نسيج الأمة. وهذا ما يجعل القرآن الكريم في المملكة جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والدينية، ليس بوصفه كتابًا مقدسًا فقط، بل كدليل إرشادي للحياة بأسرها.إن روح التنافس، حين تكون في سبيل الله، تكتسي طابعًا مختلفًا، حيث لا يتعلق الفوز بالمراكز الأولى، بل بمدى القدرة على تمثّل قيم القرآن في السلوك اليومي. وفي هذا السياق، برز اهتمام المملكة بتنظيم المسابقات القرآنية، المحلية والدولية، التي لا تهدف فقط إلى تحفيز الحفظ والتجويد، بل إلى تعميق العلاقة بين الفرد وكلام الله.
ففي لحظة ترتفع فيها أصوات القرّاء، وتصدح آيات الله في أرجاء القاعات، نشهد مشهدًا أشبه برحلة سماوية تتجاوز الحدود الأرضية. إن هذه المسابقات ليست مجرد مناسبات تنافسية، بل هي أشبه ما تكون بمواسم روحية يتلاقى فيها المحبون للقرآن، ليعيشوا لحظات تجلٍّ مع النص الإلهي.
في زمنٍ باتت التقنية تحيط بنا من كل جانب، كان لا بد أن يمتد أثرها إلى تعليم القرآن الكريم. وهذا ما أدركته القيادة الحكيمة، حيث جرى تسخير أحدث الوسائل التكنولوجية لجعل تعلم القرآن أكثر سهولة ومتعة، لا سيما للأجيال الجديدة التي تتفاعل مع العالم عبر شاشات ذكية.
لم يعد حفظ القرآن مقتصرًا على الجلوس في حلقات داخل المساجد، بل أصبح متاحًا عبر التطبيقات الذكية، والمنصات التفاعلية، والتقنيات الصوتية التي تعين على تصحيح التلاوة بدقة مذهلة. وهكذا، يتجلى مشهد مدهش: كتابٌ أزليٌّ يلتقي بأدوات العصر، ليبقى خالدًا في كل زمان ومكان.
إن الاهتمام بالقرآن الكريم لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يشمل منظومة متكاملة من الهيئات والمؤسسات التي تعنى بخدمته ونشره وتعليمه. ومن هنا، برز دعم خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن، ليس كمجرد عمل خيري، بل كاستثمار في بناء أجيال ترتكز على النور الإلهي في نظرتها للحياة.
إن أي مجتمع يجعل القرآن الكريم في قلبه، لا يخشى الضياع، ولا تضل بوصلته. فحين يكون كلام الله هو المرجعية، تنبثق قيم العدل، والسلام، والرحمة، وتصبح العلاقة مع الآخر مبنية على أسس من التسامح والتعايش، بعيدًا عن الصراعات والانقسامات.
إن عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز يمثل مرحلة ذهبية في خدمة القرآن الكريم، لا بوصفه كتابًا للتلاوة فحسب، بل كمنهج حياة يوجّه العقول والقلوب. ففي كل مركز قرآني، وفي كل طفل يحفظ آية، وفي كل صوت يتلو سورة، هناك إشراقة لنور الله في أرضٍ اختارها لتكون خادمة لدينه.
وإذا كان لكل عصر روحه، فإن الروح الحقيقية لأي زمان ومكان تبقى في مدى قربه من الوحي الإلهي. فما أجمل أن نعيد اكتشاف علاقتنا مع القرآن، لا كواجب ديني فقط، بل كحالة وجودية نعيشها بكل تفاصيلها، فتغدو حياتنا أكثر وضوحًا، وأكثر امتلاءً بالسلام، وأكثر اقترابًا من النور الذي لا ينطفئ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top