السعيد والدواسر.. تاريخ من الوفاء والمواقف في ظل البحر والدولة

إعداد: محمد الجمعة الظفيري

في عمق الخليج العربي، وعلى ضفاف الجيرة والمروءة، تتقاطع قبيلتا السعيد والدواسر في صفحات من الوفاء، وروايات من البحر والسفن، ومواقف لا تنساها الذاكرة الشعبية.
وتُمثّل جزيرة حوار أحد أبرز معالم هذا التلاقي التاريخي، حيث نزل أبناء السعيد على سواحلها، وتقاسموا مع أهلها من الدواسر الأرض والمورد، والموقف والكلمة الطيبة.

فرضة الدواسر.. ومنازل الكرم
دار حديثٌ وديّ بين الشيخ الدكتور جاسم بن أحمد السعيدي، والوجيه المعروف عبدالله بن خلف الدوسري، تحدّثا فيه عن تردد أبناء قبيلة السعيد على جزيرة حوار، وعن أن سفنهم كانت ترسو في الفرضة المقابلة لمنازل أسرته.
وقد عبّرا معًا عن عمق هذه العلاقة بقولهم:
“نحن أهل وربع وجماعة… كان السعيد ينزلون في حوار، ويأخذون الجص من البحر، وبيننا مودة قديمة.”

واستحضر الشيخ جاسم السعيدي من حديث والده أن اثنين من رجالات السعيد قد توفاهما الله ودفنا في جزيرة حوار، ويُرجَّح أن سبب وفاتهما يعود إلى الأمراض المنتشرة آنذاك، في زمنٍ كانت فيه الرعاية الصحية غائبة عن الجزر البعيدة.
وقد ذكر والده ذلك له عندما أراد زيارة حوار في عام 1976م، ووصف له معالم المنطقة والفرضة وأهلها.

الباحث السعيدي والوثائق المحفوظة
وفي توثيق مهم، يشير الباحث والمؤرخ فارس بن جاسم السعيدي إلى أن الوجيه عبدالله بن خلف الدوسري زوّده شخصيًا بوثائق ومعلومات تاريخية تتعلق بجزيرة حوار والدور المشترك.
وأكد الباحث أن قبيلة السعيد كانت تتردد على حوار وفويرط لجمع الفروش من البحر، وقطع الجير (الجص)، وهي مواد كانت أساسية في البناء الساحلي آنذاك.
كما أشار إلى أن هذا التعاون يُظهر ارتباطًا اقتصاديًا واجتماعيًا بين أهالي المناطق الساحلية، ويُعد من الشواهد الدالة على عمق العلاقة بين القبيلتين.

مواقف تحفظها الذاكرة
لم تكن العلاقة بين السعيد والدواسر مجرد تردد على فرضة أو مرور سفن، بل كانت علاقة مواقف ومروءة واحترام متبادل، ودفء قبلي جمعهم في المجالس والمرافئ، في البر كما في البحر.

وتتجلى إحدى صور هذا التقدير في العلاقة الوطيدة التي ربطت قبيلة السعيد بالوزير يوسف بن رحمه الدوسري – وزير الديوان الأميري في عهد المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة –، حيث كان رحمه الله يُكنّ كل المحبة والتقدير لأبناء السعيد، ولم يكن ينسى مواقفهم المشرفة إلى جانب الدولة. وقد استمرت هذه المحبة والصلات الطيبة حتى وفاته في نهاية التسعينات.

ويُروى أن الشيخ جاسم بن أحمد السعيدي، حين كان يسأل والده في صغره عن التاريخ والعلاقات، كان والده ينوّره قائلًا إن تاريخ السعيد معروف عند القاصي والداني، ومنه ما يربط القبيلة بأسر وقبائل عريقة مثل الدواسر، وعلاقتها الوثيقة بالعائلة المالكة.
ولم تكن هذه العلاقة مجرد زيارات ومجاملات، بل امتدت إلى الحروب والمعارك، والمواقف المفصلية التي خاضتها القبيلة إلى جانب الدولة، وكذلك في وقائع تاريخية كبيرة وقوية، مثل أحداث فريحة السعيد والزبارة، التي تمثل محطات بارزة في سجل الخليج وذاكرته الجماعية.

وقد كان يوسف بن رحمه يُعد من أبرز المراجع التاريخية، نظرًا لمكانته ومنصبه، ومعرفته الواسعة بالقبائل وتاريخها، وكان يذكر قبيلة السعيد ومواقفها بإعجاب وتقدير، لما تمثله من ثبات وولاء وجذور راسخة في الخليج العربي.

إن ما رواه الوجيه عبدالله بن خلف الدوسري، وما نقله الشيخ جاسم السعيدي، وما وثقه الباحث فارس السعيدي، كلها شواهد تؤكد أن السعيد والدواسر اجتمعوا على الكلمة الطيبة، والصحبة الراقية، والجيرة التي لا تُنسى.

خاتمة
في صفحات التاريخ، تظل جزيرة حوار شاهدًا على تآلف القبائل في زمن البساطة والنخوة، وتبقى قبيلتا السعيد والدواسر نموذجًا لصلة تمتد من البر إلى البحر، ومن السفن إلى المجالس، ومن الضيافة إلى القبور التي تشهد على علاقة لم تكتبها الأوراق وحدها، بل خطّها الوفاء والمواقف والمودة الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top