إعداد : محمد الجمعة الظفيري
في عمق التاريخ والذاكرة، تختزن العلاقة بين قبيلتي السعيد والرميحي مشاهد وفصولًا من المحبة المتجذرة والوفاء المتبادل، على أرض البحر وعلى ضفاف البرّ. هذه العلاقة التي تجاوزت حدود الجيرة والمجاورة، إلى أواصر أخوّة عميقة وموثقة في الشعر، والرواية، والمواقف التي لا تُنسى.
⸻
معيوف الرميحي.. شاعر الرفقة والمواقف
كان معيوف بن عبدالله الرميحي من أبرز الشعراء الذين حملوا همّ التعبير عن الروح البحرية والوجدانية لقبيلة السعيد، شاعرًا يرى بعينيه تفاصيل الحياة في فريحة السعيد، ويُخلّد مواقف الرجال الذين رسخت أقدامهم في مواجهة البحر والشدائد. لم يكن معيوف مجرد شاعر، بل كان بمثابة راوي الأنساب وحافظ الذاكرة، ينقل في قصائده معاني الوفاء والمروءة، ويرسم صورة حيّة للأهل والرفاق الذين شاركهم البحر والزمان.
في كل مجلس، وعند لقائه بالشيخ الدكتور جاسم بن أحمد السعيدي، لم يكن يُفوّت فرصة ليعيد قول أبياته التي تحكي قصة محبة ومواقف وشجاعة:
“أنا معاكم، أهل وربع وجماعة، بيننا دم وروح لا يفترقان.”
وكان يثني في شعره على “رجال السعيد”، الذين لا يهابون ليل البحر ولا موجه، ويشيد بسفنهم التي تشقّ الأعماق، معبرًا عن صدق العلاقة ومتانتها التي جعلته يعتبر نفسه واحدًا منهم.
⸻
أحمد بن سلمان الرميحي.. الجار الوفي وراوي المحبة
أما أحمد بن سلمان الرميحي، جار السعيد في منطقة الرفاع، فقد كان شاهدًا حيًا على عمق هذه الروابط، ليس من منطلق القرب المكاني فقط، بل من خلال مشاعر الوفاء والود التي لم تفارق قلبه. كان يتحدث عن السعيد وكأنهم أهل بيته، يردد كلمات تعبّر عن أصالة العلاقة:
“إحنا أهل، وسفنكم ومواقفكم محفورة في ذاكرة الأيام، والمحبة بيننا ليست جديدة، بل هي قديمة كقدم الزمن.”
وكان أحمد بن سلمان لا يكتفي بالقول، بل كان يستحضر المواقف التي تجسدت فيها معاني الأخوّة والكرم، ويروي قصصًا عن الجيرة والوفاء في البحر والبر، متحدثًا عن كيف أن رجال السعيد كانوا دومًا سندًا ومساندًا لجيرانهم البورميح، وكيف أن المحبة ليست مجرد كلام بل أفعال وشهادات حيّة.
وكان لا ينسى أن يرحم من غادر من رجال السعيد، فيقول:
“الله يرحمهم، كانوا خير الأصحاب، وأهل الفزعة والكرم، وأنا دومًا رفيج لأهلكم.”
كلمات أحمد بن سلمان تشكّل جسرًا بين القبيلتين، يؤكد على أن هذه العلاقة هي أكثر من مجرد جيرة، هي رفاق درب وشهادة تاريخية متجددة.
⸻
الشيخ أحمد بن جبارة الرميحي والشيخ جاسم السعيدي
تآخٍ رسّخته الأيام
امتدت علاقة المحبة والصداقة بين الشيخ أحمد بن جبارة الرميحي والشيخ جاسم بن أحمد السعيدي على مدى سنوات طويلة منذ أواسط السبعينات، حيث ترسخت على أسس من الأخوّة والوفاء والتقدير المتبادل.
لم تكن علاقتهما مجرد تواصل عابر، بل كانت علاقة متينة قائمة على الاحترام والثقة، وقد جمعتهما اهتمامات دعوية وعلمية، فكان بينهما تواصل دائم في القضايا الشرعية والدعوية. وكان الشيخ جاسم يستعير من الشيخ أحمد بعض الكتب، فيجد منه سخاءً في العطاء وكرمًا في العلم والموقف.
ومن المواقف النبيلة التي تُروى أن الشيخ أحمد عزم في فترة من الفترات على بيع بعض كتبه، فبادره الشيخ جاسم قائلًا:
“أنا أشتري جميع الكتب التي تريد بيعها.”
وفعلًا، اشترى منه عددًا كبيرًا منها، وكان ذلك تعبيرًا عن الوفاء والتقدير لما يحمله من علم وثقافة.
ومع مرور السنوات، لم ينسَ الشيخ أحمد هذا الموقف، بل زاد عليه بإهدائه للشيخ جاسم عددًا من أمهات الكتب، عرفانًا وامتنانًا ومحبةً.
كانت العلاقة بينهما، كما وصفها من عرفهم، “علاقة مبنية على ساس وخوة ومحبة”. وقد ظل كل منهما يرى في الآخر أخًا وصديقًا صدوقًا، وظهر هذا في دعمهما المتبادل، سواء في المناسبات الاجتماعية أو اللقاءات العامة، مؤكدين بذلك أن الودّ إذا تأسس على المروءة والصدق، فإنه لا تغيّره الأيام.
⸻
من فريحة السعيد إلى أم الماء.. تواصل الأرض والناس
تحدث الدكتور أحمد بن خليفة الغتم عن تواجد قبيلة السعيد في مناطق عدة، منها أم الماء، وعين محمد، وفريحة السعيد. وذكر أن أم الماء تعد من المناطق التي سكنتها قبيلة البورميح (الرميحي)، مما يعكس وجودًا جغرافيًا متشابكًا بين القبيلتين، ويعزز من أواصر الترابط القديمة.
وقد كانت هذه المناطق مسرحًا للتعاون بين القبيلتين في ميادين الحياة المختلفة، كما أن نساء الرميحي كنّ صديقات حميمات لنساء السعيد، حيث يُروى أن نساء السعيد الكبار كنّ يذكرن بنات الرميح، ويتحدثن بفخر عن مشاركتهن في الرحلات البحرية، وكيف أن بنات الرميح ركبن على سفن السعيد، مشاركةً لهم في البحر والعمل.
⸻
كلمة المؤرخ فارس بن جاسم السعيدي: أخوّة توثقها الجغرافيا والتاريخ
يقول الباحث والمؤرخ فارس بن جاسم السعيدي:
“العلاقة بين قبيلتي السعيدي والرميحي هي علاقة تاريخية وجغرافية تمتد لأمد بعيد، وتقوم على المحبة والوفاء المتبادل. هذه العلاقة ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج وقائع ومواقف موثقة عبر التاريخ، وشواهد حيّة في الذاكرة الشعبية.”
ويؤكد الباحث أن هذه المحبة المتينة بين القبيلتين انعكست في تلاحمهم في مواقف كثيرة، ومنها التعاون في البحر، ومساندة بعضهم البعض في الأوقات الصعبة، وأن هذا الترابط استمر عبر الأجيال.
⸻
القلوب التي حفظت المودة
في زمن تتغير فيه كثير من المواقف والولاءات، تبقى روابط القبائل الأصيلة في الخليج العربي شاهدة على عمق العلاقات الاجتماعية والتاريخية التي تبنيها الأجيال عبر السنين. قبيلتا السعيد والرميحي ليستا فقط جارين، بل هما نموذج للأخوة الحقيقية التي تتجاوز الحواجز وتتوحد في المحبة والتعاون.
ويظل الشعر، والرواية، والمواقف الحيّة التي رواها معيوف بن عبدالله الرميحي، وأحمد بن سلمان الرميحي، والشيخ أحمد بن جبارة الرميحي، وأحاديث الدكتور أحمد بن خليفة الغتم، وكتابات الباحث فارس بن جاسم السعيدي، كل ذلك يرسم لوحة نابضة تعكس هذا الترابط المتين بين القبيلتين، ويؤكد أن المودة الحقيقية لا تغيّرها السنوات.



