فلكية جدة…فجر الجمعة: رصد ظلال أقمار المشتري

الأحساء ــ زهير بن جمعة الغزال

أوضح ذلك المهندس ماجد ابوزاهرة
تشهد السماء في الساعات الأخيرة من فجر 21 نوفمبر حدثًا فلكياً مميزاً يتمثل في عبور ظل اثنين من أقمار المشتري – آيو وكاليستو – فوق قمم سحبه في ظاهرة تعرف باسم عبور الظل.

يبدأ رصد الحدث محلياً عند الساعة 4:29 صباحآ ويستمر حتى 6:38 صباحًا وخلال هذه الفترة يمكن للراصدين عبر التلسكوبات رؤية بقعة داكنة صغيرة تتحرك ببطء فوق قرص المشتري المضيء وهي ظل تلك الأقمار أثناء مرورها بين الشمس والكوكب العملاق

تحدث ظاهرة عبور الظل عندما يقع أحد أقمار المشتري الأربعة الكبيرة – آيو، أوروبا، غانيميد، كاليستو – في خط مستقيم بين الشمس والمشتري فيلقي بظله على الغلاف العلوي للكوكب ويبدو هذا الظل واضحاً للغاية بفضل اللون الفاتح لقمم سحب المشتري وحدوده الحادة الناتجة عن البعد الكبير بين الشمس والمشتري الذي يجعل أشعة الضوء شبه متوازية إضافة إلى حجم الظل الكبير الذي قد يمتد لمئات الكيلومترات فوق قمم السحب، مما يسمح برصده بسهولة حتى باستخدام تلسكوبات متوسطة

يظهر الظل للراصد كنقطة داكنة تشبه ثقباً أسود صغيراً يتحرك من الشرق إلى الغرب تبعاِ لدوران المشتري واتجاه العبور وقد يشاهد القمر نفسه وهو يقترب من حافة القرص قبل ظهور الظل. وتعتمد هوية القمر المسبب للظل على التوقيت المداري فآيو هو الأقرب للمشتري والأسرع دوراناً لذلك تتكرر عبوره كثيراً ويظهر ظله صغيراً لكنه شديد القتامة بسبب قربه. أما كاليستو وهو الأبعد بين الأربعة فعبور ظله أقل تكراراً ويعد حدثاً مميزاً، ويكون ظله أكبر قليلًا لكنه أخفت من ظل آيو نتيجة المسافة الأكبر.

يمتلك كل قمر من اقمار كوكب المشتري طبيعة ظل مختلفة فظل آيو صغير لكنه شديد السواد نظراً لقطره البالغ 3643 كم وقربه من الكوكب وظل يوروبا أصغر وأقل قتامة بينما يعطي غانيميد أكبر أقمار المشتري بقطر 5262 كم ظلًا أكبر في حين ينتج كاليستو ظلًا كبيراً نسبياً لكنه أقل قتامة ويرجع هذا الاختلاف إلى حجم كل قمر ومسافته عن المشتري وزاوية سقوط الضوء.

وقد يتزامن عبور الظل أحيانًا مع عبور القمر نفسه أمام المشتري أو مع احتجابه خلفه كما يمكن – في ظروف نادرة – أن تمر ظلال قمرين أو ثلاثة في الوقت نفسه فوق قرص المشتري وهي من أجمل المشاهد الكوكبية التي يمكن رصدها.

بستفاد من هذه الظاهرة في قياس مدارات الأقمار بدقة وفي دراسة دوران المشتري عبر مقارنة صور الظل وأحياناً تستخدم لتحليل ارتفاع السحب خلال تغير شدة الظل. تاريخياً كانت هذه الظاهرة ذات أهمية كبيرة إذ استخدم غاليليو تغير أوقات العبور لإثبات أن الأرض ليست مركز الكون وفكرة “الساعة الفلكية” لحساب الزمن بين أوروبا وأمريكا.

ولمشاهدة الحدث بأفضل صورة ينصح باستخدام تلسكوب بقطر 80 مم فما فوق مع تكبير يقارب (150×) ويمكن تصوير الحدث باستخدام كاميرا كوكبية للحصول على تسلسل واضح لحركة الظل. عادة يعبر ظل آيو خلال 2–3 ساعات بينما قد يستغرق ظل كاليستو أكثر من 4 ساعات بسبب بعده الكبير عن المشتري.

تعد ظاهرة عبور ظل أقمار كوكب المشتري من أجمل المشاهد الكوكبية المرصودة فهي تظهر تفاعلًا ديناميكيًا حيًا بين كوكب عملاق وأقماره وتمنح الراصد فرصة لرؤية حركة نظام جوفياني كامل يتغير أمام عينيه مما يعكس ضخامة منظومة المشتري وتعقيدها وثراءها العلمي والمرئي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top