المواطنة الصادقة تصنع الفرق.. كيف انتصر أبناء وادي الدواسر للمصلحة العامة؟

 

يمكن أن يأتي التطور عبر مشروع حكومي ضخم، أو قرار تنموي مهم، أو اعتماد ميزانيات كبيرة، لكنه لا يكتمل إلا بوجود رجال يؤمنون بأن خدمة أوطانهم مسؤولية لا تنتهي عند حدود الوظيفة أو المصلحة الشخصية؛ فالأوطان لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل تُبنى أيضاً بسواعد أبنائها المخلصين الذين يحملون هموم مجتمعاتهم، ويترافعون عن مصالح الناس بإخلاص وتجرد، ويجعلون المصلحة العامة هدفاً لا يحيدون عنه.
وقد شهد مركز النويعمة بمحافظة وادي الدواسر خلال الأشهر الماضية واحدة من أكثر القضايا الخدمية إلحاحاً، بعد توقف مشروع شبكة الصرف الصحي الذي تنفذه شركة المياه الوطنية على الطريق الرئيس الرابط بين العاصمة الرياض وجنوب المملكة، وهو الطريق الذي يمثل شرياناً حيوياً للمحافظة ولمئات المسافرين والعابرين يومياً؛ وجاء التوقف عقب حادثة مؤلمة راح ضحيتها عاملان إثر انهيار في الحفريات، ما استدعى إيقاف المشروع لمعالجة الجوانب الفنية والتنظيمية المرتبطة به.
ومع امتداد فترة التوقف، تعاظمت معاناة الأهالي والمقيمين والمسافرين، وأصبحت التحويلة المؤقتة مصدراً للمشقة اليومية والخسائر الاقتصادية للمحال التجارية ودور الإيواء، فضلاً عن المخاوف المتزايدة من تعرض الطرق البديلة الصغيرة لضغط مروري قد ينتج عنه مخاطر وانهيارات جديدة؛ كما بات التنقل بين أحياء المركز يمثل معاناة مستمرة للسكان الذين انتظروا عودة العمل بالمشروع بفارغ الصبر.
وفي خضم هذه المعاناة برزت نماذج وطنية مشرّفة آثرت العمل بصمت، وتحركت بدافع المسؤولية المجتمعية الخالصة بعيداً عن أي بحث عن مكاسب أو أضواء إعلامية؛ وكان في مقدمة هؤلاء المواطن الغيور حنيان بن مبارك آل بوسباع، الذي جعل من وجوده في العاصمة الرياض فرصة لخدمة محافظته وأهلها، فتنقل بين الجهات المعنية، وراجع المسؤولين، ونقل معاناة المواطنين والمتضررين بأمانة وإصرار، ولم يكل أو يمل حتى أسهم في إزالة العقبات التي كانت تعيق استكمال المشروع وعودة العمل فيه.
كما كان للمواطن قبلان بن محمد الحزيمي دور بارز لا يمكن إغفاله، إذ ظل صوتاً صادقاً للمحافظة، يحمل هموم أهلها إلى الجهات المختصة داخل المحافظة وخارجها، ويتابع القضية بكل ما أوتي من حرص وإخلاص، مدفوعاً بإيمانه بأن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن المواطن الصالح لا يقف موقف المتفرج عندما تتعطل مصالح الناس.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الجهد الإعلامي الذي بذله فالح بن حسن الدوسري عبر صحيفة وادي الدواسر، حيث سخّر المنبر الإعلامي للمطالبة باستكمال المشروع وتسليط الضوء على آثاره وتداعيات توقفه، في نموذج يعكس الدور الحقيقي للإعلام التنموي الذي يقف إلى جانب قضايا المجتمع ويعبر عن احتياجاته وتطلعاته.
واليوم، ومع عودة العمال والفنيين والمهندسين إلى مواقع العمل واستئناف تنفيذ المشروع، تتجلى ثمرة الجهود الصادقة التي بذلها هؤلاء الرجال، ويتأكد أن المواطن الواعي يستطيع أن يكون شريكاً حقيقياً في التنمية عندما يتحرك بالأساليب النظامية والحضارية، ويجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
إن الدولة ـ أيدها الله ـ لم تدخر وسعاً في إطلاق المشروعات التنموية والخدمية في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها ومراكزها، وسخرت الإمكانات والموارد لتحقيق مستهدفات التنمية الشاملة ورفع جودة الحياة للمواطنين؛ غير أن نجاح هذه المشروعات وتسريع الاستفادة منها يحتاج دائماً إلى أبناء أوفياء يتابعون ويقترحون ويطالبون بحقوق مجتمعاتهم بالطرق المشروعة، ويكونون حلقة وصل إيجابية بين المواطن والجهات المختصة.
ومن هنا فإن ما قام به حنيان بن مبارك آل بوسباع وقبلان بن محمد الحزيمي ومن ساندهم في هذه القضية يمثل درساً وطنياً بليغاً في المواطنة الصادقة، ويؤكد أن الغيرة على الوطن ليست شعارات تردد، بل مواقف عملية وجهود تبذل من أجل خدمة الناس وتحقيق مصالحهم؛ فالأوطان تزدهر عندما يحمل أبناؤها همها، وتتقدم عندما يتحول حبها إلى عمل، وتنمو عندما يجد كل مشروع من يتابع نجاحه ويحرص على اكتماله، إيماناً بأن خدمة الوطن شرف، وأن السعي لمصلحة المجتمع من أنبل صور الانتماء والوفاء.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top